شريط الأخبار
أديداس تعتذر... عميرة هاس: إسرائيل تهيئ لتهجير جماعي للفلسطينيين.. و«محوهم» يتحول إلى مسار عملي حين يكتب الجوع شهادة إدانة بين قسوة القانون وعدالة الرحمة في قضية علبتي التونة إلى الجهات المعنية... أسئلة للنقاش لا الاتهام الكشف عن مخطط لإقامة فندق في سلوان وتحذير من ارتباطه بالتوسع الاستيطاني محافظة: " BTEC" مسار مهني قائم على المشاريع ويتيح للطالب العمل أو الالتحاق بالجامعة البلبيسي تطّلع على تقييم الثقافة المؤسسية في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون محافظة: زيادة أعداد مقاعد الطب وطب الأسنان قيد النقاش الجامعة العربية تشدد على الرفض القاطع لتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه ليس كل مدّعٍ أهلًا لما ادّعى... الصوافين: "ثقافة العيب" لم تعد حاضرة في قاموس الشباب الأردني رئيس الوزراء يستقبل رئيس مجلس الشُّورى العُماني طهران تتحدث عن تفاهم خلال أيام مع مسقط حول هرمز محافظة: شهادة الثانوية تمنح للطالب بعد نجاحه مدرسيًا اللواء الحراسيس يبحث التعاون الدفاعي مع شركة "نورينكو" الصينية حكومة حسّان في عامين.. تسديد مديونية صندوق دعم الطالب تجاه الجامعات الرسمية مجلس السلام: التصعيد بغزة والضفة الغربية يجعل حل الدولتين مستحيلا الأمير فيصل يؤكد جاهزية الأردن لاستضافة بطولة آسيا للكراتيه الشيباني: نمضي بثبات مع الأردن لتنفيذ خريطة السلام في السويداء الملك يرعى فعالية بمناسبة مرور 20 عاما على تأسيس مركز الملك عبدالله الثاني للتميز

الإنسان أغلى ما نملك

الإنسان أغلى ما نملك
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

تُبنى الثروة الحقيقية للأمم في تفاصيل الحياة اليومية، لا في الشعارات الكبرى ولا في المؤشرات المجردة. تتشكل في المدرسة حيث تتكوّن المهارات الأولى، وفي بيئة العمل حيث تُختبر الكفاءات، وفي المجتمع حيث ينضج الإنسان ويتحوّل إلى قيمة مضافة. وحين يتعثر التقدم في هذه المساحات الحية، تتراجع الفرص، ويتباطأ النمو، وتفقد الاقتصادات قدرتها على المنافسة.

يأتي تقرير رأس المال البشري الصادر عن البنك الدولي ليضع هذه الحقيقة في إطار تحليلي دقيق، كاشفًا عن فجوة مقلقة بين ما تمتلكه الدول من طاقات بشرية وما تنجح فعليًا في تحويله إلى إنتاج وقيمة مضافة. ولا يكتفي التقرير بوصف الواقع، بل يقدّم مسارات عملية لاستعادة الزخم التنموي في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.

يُظهر التقرير أن التحدي لم يعد في إتاحة التعليم فحسب، بل في جودته وارتباطه المباشر بمتطلبات الحياة العملية. يقضي ملايين الطلبة سنوات طويلة في التعليم دون اكتساب المهارات التي يتطلبها سوق العمل الحديث، خاصة في ظل التحول الرقمي المتسارع. وتتجلى هنا فجوة حقيقية بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد، ما يفرض إعادة تصميم المنظومة التعليمية لتصبح أكثر مرونة وارتباطًا بالإنتاج.

ويمتد التحدي إلى سوق العمل، حيث لم تعد الوظائف التقليدية قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين. وتشير الاتجاهات العالمية إلى أن الاقتصادات التي لم تُعِد هيكلة أسواقها باتجاه الابتكار والتكنولوجيا تواجه تباطؤًا في خلق فرص العمل، بينما تحقق الدول التي تدمج التعليم بالإنتاج وتستثمر في المهارات الرقمية نموًا أكثر استدامة وقدرة على التنافس.

ولا يمكن إغفال البعد الصحي في معادلة رأس المال البشري، فالصحة ليست قطاعًا منفصلًا، بل ركيزة إنتاجية أساسية. فالعامل الذي يتمتع بصحة جيدة أكثر قدرة على العطاء، والطفل السليم أكثر قابلية للتعلم والتطور. ومن هنا، يصبح الاستثمار في الصحة استثمارًا مباشرًا في الاقتصاد، وليس مجرد بند إنفاق اجتماعي.

ويقدّم التقرير مفهومًا متكاملًا لرأس المال البشري بوصفه منظومة مترابطة لا يمكن تجزئتها. فالتعليم دون مهارات تطبيقية لا يحقق قيمة، والعمل دون تأهيل مستمر يفقد جدواه، والسياسات غير المتكاملة تعجز عن تحقيق الأثر المطلوب. وتستدعي هذه الرؤية تبني سياسات عامة أكثر تكاملًا ومرونة، قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة.

وفي الدول النامية، تبدو الفجوة بين الإمكانات والنتائج أكثر وضوحًا. فرغم الاستثمارات المتزايدة، لا تزال المخرجات دون المستوى المأمول. ويعود ذلك في كثير من الأحيان إلى ضعف مواءمة السياسات مع احتياجات السوق، وغياب التكامل بين القطاعات المختلفة. وهنا تبرز أهمية الشراكة الفاعلة بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية لبناء نموذج تنموي أكثر كفاءة واستجابة.

وتؤكد مخرجات التقرير أن المستقبل لن ينتظر المترددين. فالدول التي تتباطأ اليوم في تطوير رأس مالها البشري ستواجه تحديات أكبر في الغد. وفي اقتصاد تقوده المعرفة، لم تعد الموارد التقليدية كافية لضمان التقدم، بل أصبح الإنسان المؤهل والمُمكَّن هو المحرك الأساسي للنمو.

ومن هنا، يتقاطع هذا الطرح مع الرؤية العميقة التي عبّر عنها الراحل الملك الحسين بن طلال حين قال إن الإنسان أغلى ما نملك، وهي عبارة تختزل فلسفة تنموية متقدمة تضع رأس المال البشري في قلب بناء الدولة واستدامة تقدمها. فهذه الرؤية تؤكد أن الاستثمار الحقيقي لا يُقاس بحجم الموارد الطبيعية أو المالية، بل بقدرة الإنسان على التعلم والإبداع والإنتاج، وهو ما يشكل أساس التنافسية في الاقتصادات الحديثة. وقد أثبتت تقارير البنك الدولي أن الدول التي تستثمر في التعليم والصحة والمهارات تحقق نموًا اقتصاديًا أعلى واستقرارًا اجتماعيًا أمتن، لأن الإنسان المؤهل هو المحرك الأول للابتكار والتنمية. وعليه، فإن تمكين رأس المال البشري من خلال سياسات تعليمية متقدمة، وتدريب مستمر، وبيئات عمل محفزة، يمثل الضمانة الحقيقية لمستقبل مزدهر، ويجسد عمليًا هذه الرؤية في أن الإنسان هو الثروة الأثمن والأبقى.

وتتبلور الخلاصة في حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد؛ تُبنى القيمة الحقيقية حيث تجري الحياة. في صف دراسي يواكب العصر، وفي بيئة عمل تدعم التعلم المستمر، وفي سياسات تضع الإنسان في قلب التنمية. هناك فقط يبدأ التقدم الحقيقي، وهناك تُصنع الفوارق بين الدول التي تواكب المستقبل وتلك التي تتأخر عنه.