ذرية وموضوعية والصورة الكلية للفيل ...
القلعة نيوز -
بين الفكر والأفكار، وبين الواقعية والوقائعية، وبين الموضوعية والمواضعية. رائعة تلك الوقفة التي أطلقها د. المسيري وهو يشرح حال البعض في التعامل مع الواقع والفهم والفكرة والموضوع.
البعض يحاول أن يفهم، ولكنه ذريّ في الفهم (وأعني بذري هنا تقسيم الموضوع إلى أجزاء ذرية صغيرة، بحيث تتشكل صورة واضحة جزئية ذرية عن موضوع معين، ولكنه متخصص في الجهاز الهضمي فقط، ولا يستطيع ربط الجزء مع الكل)، كما أشار إلى ذلك بن نبي سابقًا، فنبتعد عن الصورة الكلية. هذا الفهم الذري تصطدم به كثيرًا في حياتك، مع أشخاص يتمتعون بمستوى ذكاء مرتفع وتركيز عالٍ، ولكنه فهم الجزء ولم يستطع أن يسقط هذا الفهم على الكل. البعض ممن يحمل شهادات عليا في تخصص معين، ولكن فهمه ذري موضوعي، أي أنه استوعب الموضوعات المتفرقة استيعابًا ذريًا تفصيليًا تصويريًا، ولكنه عاجز عن تكوين صورة مجسمة متكاملة للموضوع، وتجد هذه الحالة في الكثير من التخصصات، من الاقتصاد إلى الطب إلى علوم الشريعة، فضلًا عن العلوم الأخرى المختلفة.
باحث آخر يقول إن نقل المعرفة هو، في الحقيقة، القدرة على نقل ما تراه، أو ما تعرفه بصورة تفصيلية واضحة، بحيث تصل إلى الآخر واضحة، على تلك الصورة الموضوعية التي ترى فيها الحدث، وبشكل مجرد بعيد عن تأثيرك الشخصي أو رأيك الشخصي. وهنا تقع في نظرية أطلق عليها البعض نظرية العميان والفيل، فمن وقعت يداه على قدم الفيل يصف قدم الفيل وصفًا موضوعيًا دقيقًا مجردًا، ومن وقعت يداه على الخرطوم يصف خرطوم الفيل وصفًا موضوعيًا، ومن وقعت يداه على جسم الفيل وصف الجسم.
ولكننا، في الحقيقة، بحاجة إلى ذلك الأعمى الذي يملك قدرة ذاتية على تجميع صورة ذاتية من مجموعته، التي كونت صورة موضوعية عن الأقدام والجسد والرأس والخرطوم والذيل، ليعطي صورة واضحة ذاتية عن الفيل بعد أن يجمع الأجزاء في ذهنه، ويضع كل عنصر في مكانه. وإلا بقينا محبوسين نظريًا في تلك النظرة الموضوعية لكل أعمى، وضمن نظرته الموضوعية عن الفيل، بعيدًا عن الصورة الحقيقية التي تشكلها تلك الذات الواعية التي نبحث عنها في كل موضوعاتنا الرئيسية، وقلما نجدها، ذلك الأعمى الذي يستطيع تجميع صورة حقيقية ذاتية عن الفيل وإيصالها لنا. نعم، نظريًا هو فهم ذري ذاتي جزئي مقتطع من الكل للحقيقة، وهو جزء من الحقيقة ولا ريب، فالقدم من الفيل حتمًا، ولكن هذا الفهم قائم على نقل الصورة الحقيقية عن كل طرف إلى ذلك الذي يملك الذات الواعية لتشكيل الصورة الكاملة عن الفيل.
سنبقى محصورين في أفهام جزئية، أو أفكار جزئية، ولكننا لا نملك صورة، ولا شبه صورة، عن الحقيقة في كثير من الأحيان. نحن غارقون في القدم والخرطوم والجسد الدائري والذيل الرفيع، ولكننا لا نملك صورة عن الفيل. فهذا يملك جزءًا من الحقيقة ولكنه لا يملكها كاملة، وهكذا، فهي مجموعة أفكار جزئية أو ذرية عن أجزاء أصغر، ولكنها ليست الحقيقة كاملة، ليست الفيل بصورته الكلية. وهكذا نحن في الحياة غارقون في أجزاء وذرات هنا وهناك، ولكننا، في الحقيقة، بعيدون عن الفكرة الكلية، عن الحقيقة الكلية، وغارقون في الفروع.
الآن خذ هذا الفهم وانطلق به لتحاول أن تكون أنت الذات الواعية التي تحاول أن تفهم المشكلات حولك، ومنها مشكلة غزة، ومشكلة المواطن العربي، ومشكلة التعليم، ومشكلة الصناعة، أو أي مشكلة تواجهها في حياتك. هذا هو التنميط الذي حاول المسيري نقله إلى العقل العربي، ليتعامل مع قضاياه وفق أنماط معينة واضحة مبنية على الدراسة والتحليل للوصول إلى المشاكل المتراكمة والمعقدة، وحلها وفق عقلية علمية ذاتية تستقي مصادرها من ناقل موضوعي دقيق لتصل إلى الحقائق الكاملة، وأثرها في الفرد والحياة والمجتمع والمستقبل.
وهذه محاولة للفهم.
إبراهيم أبو حويله...




