شريط الأخبار
الرواشدة : دعم المبادرات النوعية يُعزّز الحراك الثقافي بن فرحان يبحث مع عراقجي المفاوضات الإيرانية الأمريكية الملك يزور قيادة المنطقة العسكرية الشرقية ويشيد بجهود مرتباتها في حماية الحدود ( صور ) "القانونية النيابية" تناقش مشروع معدل لقانون الملكية العقارية "الخارجية النيابية" تلتقي السفير الهنغاري الخرابشة: شركة "الأمونيا الخضراء" أنفقت 10 ملايين دولار قبل الاتفاقية الأردن والسعودية يبحثان تعزيز التعاون الصناعي والتجاري وتوسيع الاستثمار الخارجية الإيرانية: المقترح الإيراني المقدم إلى الولايات المتحدة "ليس مبالغا فيه" التشريع والرأي ينشر مسودة قانون الإدارة المحلية (نص القانون) ما هي مهام مدير البلدية في مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد؟ اتفاق أوروبي مرتقب لفرض عقوبات على مستوطنين في الضفة الغربية ضبط عملية اختلاس في وزارة المالية وايقاف متهمين اثنين لجنة تنفيذية لعجائب الأردن السبع أبو هديب: البوتاس العربية تتبنى نموذجاً تنموياً يتجاوز مفهوم المسؤولية المجتمعية التقليدي وفيات الإثنين 11-5-2026 توزيع عوائد ضريبة الأبنية والأراضي في الأردن وتفاصيل الاقتطاعات والغرامات التراكمية الحرارة تواصل ارتفاعها نسبياً حتى منتصف الأسبوع الأحوال المدنية: اعتماد الهوية الرقمية يدعم التكامل الرقمي بين الوزارات والمؤسسات الدوريات الخارجية تضبط حافلة مخالفة بزيادة 18 راكباً وتتعامل مع حوادث وتعطلات مرورية التحول الرقمي في الاردن: الهوية الرقمية وثيقة رسمية معتمدة في المعاملات

مسودة 2026 قانون الإدارة المحلية تراجع مقلق في الحوكمة المحلية والديمقراطية

مسودة 2026  قانون الإدارة المحلية  تراجع مقلق في الحوكمة المحلية والديمقراطية


م . رنا خلف الحجايا / رئيسة بلدية الحسا سابقا

كان من المفترض أن يشكّل قانون الإدارة المحلية نقطة تحول حقيقية تعيد ربط المواطن بالقرار المحلي، بحيث تصبح الانتخابات البلدية ومجالس المحافظات أداة فعلية للتنمية وتحسين حياة الناس، لا مجرد استحقاق شكلي.

لكن المسودة المقترحة لعام 2026 تثير قلقاً متزايداً، لأنها توسّع الحديث عن الحوكمة والمشاركة، مقابل تراجع السلطة الفعلية للمجالس المنتخبة لصالح الإدارة التنفيذية المعيّنة والرقابة المركزية. وهذا لا يمس فقط شكل الإدارة المحلية، بل ثقة المواطن بالانتخابات نفسها، لأن من يذهب إلى صندوق الاقتراع يريد أن يشعر أن من انتخبه يملك فعلاً القدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، لا أن يبقى القرار الحقيقي في مكان آخر.

والأخطر أن المضي بهذا الاتجاه قد يتحول إلى ما يشبه الانتحار السياسي البطيء للحكومة ومجلس النواب معاً، لأن أي نظام سياسي يضعف صلاحيات الهيئات المنتخبة يضعف تدريجياً ثقة الناس بفكرة المشاركة العامة نفسها.

فالدولة التي تطلب من المواطنين الذهاب إلى صناديق الاقتراع، ثم تُفرغ المؤسسات المنتخبة من أدوات القرار الحقيقي، تخاطر بإضعاف الحافز الأساسي للمشاركة السياسية، وتفتح الباب أمام شعور متزايد بأن الانتخابات لم تعد قادرة على إحداث فرق حقيقي في حياة الناس.

المسودة الجديدة تخلق واقعاً اداريا متخلفا إذ تمنح المدير التنفيذي داخل البلدية صلاحيات واسعة في الإدارة والتنفيذ والمتابعة المالية والإدارية، ما يجعله عملياً صاحب التأثير الأكبر في إدارة الجهاز البلدي، مقابل تراجع الدور التنفيذي للرئيس المنتخب إلى دور إشرافي وتمثيلي.

وهنا تظهر الفجوة الخطيرة بين "الشرعية الانتخابية” و”السلطة الفعلية”. ورغم أن الحكومه (تزين ) ذلك باعتباره تطويراً إدارياً وتعزيزاً للمهنية !! إلا أن التجارب الديمقراطية المستقرة تؤكد أن الإدارة المهنية يجب أن تبقى خاضعة للقيادة المنتخبة، كما هو الحال في بعض المدن في الولايات المتحده حيث يخضع المدير التنفيذي مباشرة للمجلس المنتخب ويمكن مساءلته أو إنهاء خدماته بقرار محلي واضح.

أما في الحالة الأردنية الحاليه، فإن الاتجاه الحالي يخلق شعوراً متزايداً بأن المنتخب يتحمل المسؤولية أمام الناس، بينما تبقى أدوات القرار والتنفيذ موزعة بين الإدارة المعيّنة والمرجعيات المركزية. ومع الوقت سيبدأ المواطن بطرح السؤال الأكثر حساسية: إذا كان القرار التنفيذي والمالي الحقيقي ليس بيد المنتخب، فلماذا ننتخب أصلاً؟

وهذا ليس تفصيلاً عابراً، بل قضية تمس جوهر الثقة بالحياة العامة. فعندما يشعر المواطن أن صوته لا يغيّر شيئاً، وأن السلطة الفعلية تبقى بعيدة عن الجهات المنتخبة، فإن الإيمان بالانتخابات يبدأ بالتراجع تدريجياً.

أن القانون، رغم حديثه عن الاستقلال المالي والإداري، ما يزال يربط كثيراً من الصلاحيات الجوهرية بالوزارة والتعليمات والأنظمة اللاحقة، حتى أصبحت عبارة "وفق تعليمات يصدرها الوزير” حاضرة في معظم تفاصيل عمل البلديات. فعلى سبيل المثال، يسمح القانون للبلديات بإقامة تحالفات فيما بينها، لكن "وفق نظام يصدر لهذه الغاية”، كما يسمح بإنشاء شركات تنموية أو استثمارية، لكن "وفق تعليمات تصدرها الوزارة”. وبالطبع لا خلاف على أهمية الرقابة وحماية المال العام، لكن هناك فرقاً كبيراً بين الرقابة وبين إدارة القرار المحلي من المركز. فاللامركزية الحقيقية لا تعني أن تبقى البلديات بانتظار التعليمات في كل خطوة، بل أن تمتلك هامشاً فعلياً من الثقة والقدرة على اتخاذ القرار والمحاسبة عليه.

والمفارقة أن المسودة تتوسع في إنشاء وحدات ولجان جديدة مثل وحدات التنمية المحلية ولجان الأحياء والحوكمة والمتابعة، لكنها لا توضح دائماً علاقتها بالمجلس البلدي أو بالرئيس المنتخب أو بالمدير التنفيذي، ما يخلق طبقات إضافية من التداخل المؤسسي بدلاً من تبسيط الإدارة وتعزيز فعاليتها.

اما الجانب الاخر وهو مجالس المحافظات فإن إلغاء الانتخاب المباشر لمجالس المحافظات والاكتفاء بالتعيين لا يُعد تعديل إداري!! بل تراجعاً عن جوهر فكرة اللامركزية والتمثيل الشعبي. فمجالس المحافظات أُنشئت أساساً لتكون صوتاً مباشراً للمجتمعات المحلية في تحديد الأولويات التنموية ومساءلة الجهات التنفيذية، بينما يؤدي التعيين، مهما كانت معاييره، إلى نقل ولاء المجلس تدريجياً من المواطنين إلى الجهة التي قامت بتعيينه.

أن هذا التوجه يضعف ثقة الناس بالمشاركة السياسية، لأن المواطن لن يشعر بأن صوته يؤثر فعلياً في القرار المحلي. وفي الوقت الذي تتجه فيه الدول نحو تعزيز الديمقراطية المحلية، يبدو التراجع عن الانتخاب وكأنه عودة إلى نموذج "المجلس الاستشاري” أكثر من كونه مجلساً تمثيلياً منتخباً. ولذلك فإن المساس بالانتخاب المباشر لا يهدد فقط فاعلية المجالس، بل يمس أيضاً ثقة الناس بفكرة الإصلاح السياسي والحكم المحلي نفسه.

إن ما قد تخسره الدولة ليس فقط كفاءة الإدارة المحلية، بل إيمان الناس بأن أصواتهم ما تزال قادرة على صنع فرق. فالانتخابات المحلية كانت دائماً المساحة الأقرب التي يشعر فيها المواطن أن صوته يمكن أن يغيّر خدمة أو مشروعاً أو حتى شكل الحياة اليومية في مدينته. وعندما تُفرَّغ المجالس المنتخبة من صلاحياتها الحقيقية، تتراجع معها الثقة بالمشاركة السياسية نفسها.