مشاهير الدمار ...
القلعة نيوز -
يحمل التجديد قضايا مستحدثة، وآفاقاً جديدة، وإيجابيات وسلبيات جديدة، وحتى تستطيع المجتمعات الوصول إلى مرحلة الاتزان وتصويب المسيرة، تحتاج إلى وقت، وهنا تستغل فئة من المجتمع تلك الظاهرة لتحقيق منافع كبيرة، وفي المقابل هناك فئات متعددة تخسر خسارة كبيرة؛ لعدم قدرتها على تعديل وتصويب أوضاعها بما يتفق مع الواقع الجديد.
عندما ظهرت الطباعة، ظهر الخوف حتى من السلطات المسؤولة عن فئة الكتّاب، وما هي الأضرار التي من الممكن أن تلحق بهم، وتم تأجيل القرار في السلطنة العثمانية أزماناً، ما ألحق الضرر بشكل عام بانتشار الكتب والثقافة والقراءة، لأنها كانت محصورة في تلك الفئة التي تملك الإمكانيات المادية لشراء الكتب؛ لارتفاع تكاليفها وأسعارها. وظهرت أيضاً عندما ظهرت شبكات المياه، وتم إيصال الماء إلى الأحياء أولاً، ومن ثم إلى البيوت، فقد كانت هناك فئات كاملة من المجتمع تعمل حتى يحمل السقاؤون الماء إلى البيوت.
واليوم ظهرت لدينا مواقع التواصل، والمؤثرون والمشاهير، ثم ظهرت تجارة كاملة مرتبطة بهذا القطاع، فهو قطاع تجاري تسويقي غير خاضع للقوانين والأعراف والأخلاق المتفق عليها في المجالات الأخرى، وهنا ظهرت تلك الفئة من المبادرين والطفيليين التي تحسن استغلال الفرص، وانتشرت من خلال هذا القطاع. تسويق إلكتروني، ومنصات إلكترونية، وتعليم إلكتروني، وطب إلكتروني، وكنّا ببعض الإخصائيين، واليوم لدينا مئات في كل المجالات، واستطاعت فئات مختلفة الظهور والانتشار عبر هذه المواقع، وهي ليست ذات اختصاص ولا خبرة ولا رأي، وما كان يجب أن يكون لها منبر تخرج به على الناس.
وهنا، عندما يملك منبراً من لا يملك عقلاً ولا أخلاقاً ولا علماً، فهؤلاء يصنعون الكوارث وينشرون الفوضى. أحاديث مقاهٍ تملأ الفضاء، وأصبح الكل خبيراً، والكل يدلو بدلوه، وهنا يعلق الواحد منّا بين الصواب والخطأ، بين الحقيقة والكذب، بين العلم والخيال، وأصبح لهؤلاء ضحايا، ونشر بعض هؤلاء الموت، وساهموا بتدمير البيوت والأسر والصحة والجسد، فهذا يتكلم في الدين، وذاك في الغذاء، وثالث في السياسة والاقتصاد، وانتشر فكر المؤامرة على المستويين المحلي والعالمي.
هذه الأمور تحدث وستحدث، وأحياناً تعجز عقول جبارة عن إدراك الخطر وتحديد أسبابه، ولذلك تحدث الكوارث على المستوى الاقتصادي والسياسي والعسكري والصحي والزراعي، وتحدث الحروب. مثلاً، لم يرتبط مفهوم التعقيم والنظافة في غرف العمليات بعدد الموتى وفشل العمليات إلا في فترات متأخرة، وعجز طبيب فيروسات شهير عن تحديد خطر فيروس الإيدز، ورفض النتيجة التي توصلت إليها المجامع الطبية، ولكن الحقيقة ظهرت، والأسباب عُرفت، وأصبح علاجها أمراً متاحاً، لأن العقل والعلم ينتصران في النهاية، ولكن هناك ضحايا.
فهل تُحركنا الضحايا لنضع النقاط على الحروف، ونضع الأمور في نصابها، ونسمع ونستمع ونلقي السمع لأصحاب العقول والضمائر والعلم ليدلوا بدلوهم في هذا الموضوع؟ فكم من خير تم حجبه، وكم من شر عظم أمره وانتشر بسبب هؤلاء المؤثرين والمشاهير، والنشر وإعادة النشر. وهنا تضع هذه الأحداث كل واحد منّا أمام مسؤولياته وضميره، فكل مشاهدة ونشر وإعادة نشر وإعجاب وتعليق هي، في الحقيقة، مساهمة منك في الحدث، وقد تكون هذه المساهمة سلبية أو إيجابية، ويترتب عليها نتيجة، وهنا أنت شريك ومساهم في هذه النتيجة.
الكلمة ونتيجة الكلمة، وهل يكب الناس في جهنم إلا حصائد هذه الألسنة؟ هنا أصبح الأثر للفعل متعدياً ودائماً، فهذه المشاهدة ستبقى شاهدة عليك، وهذا الإعجاب أثر منك، وذلك النشر وإعادة النشر قائم يحصي عليك من شاهد ومن نشر بعدك، كلنا شركاء هنا، وهنا يجب أن نقف؛ لأننا يجب أن نقف، ولا نكون سبباً في انتشار هؤلاء وزيادة أثرهم ودمارهم وسلبياتهم على المجتمع، في وقت يجب أن نتحرك وننشر ونعيد النشر عندما يكون في الأمر خير يؤمر به أو شر ينهى عنه، فما نحن فيه اليوم يساهم في نشر فساد كبير، ويحجب، أحياناً، خيراً كثيراً.
وما لم نأخذ المبادرة الذاتية ونتحرك نحن، فهذه الأحداث ستنتشر بشكل أكبر، وسيكون لها آثار سلبية أكبر، وهنا لا بد أن يتحرك كل واحد فينا لحماية نفسه وأسرته ومجتمعه من هذه الفئات، فلن يقوم أحد بما يجب أن تقوم به أنت.
إبراهيم أبو حويله..




