إشهار الذمة المالية… صمّام أمان الوطن وحارس المال العام :
الإعلامي الدكتور نسيم أبو خضير
حين يتولى أي مسؤول منصبًا عامًا أو خاصًا ، فإن أول ما يجب أن يضعه أمام عينيه أن المنصب تكليفٌ لا تشريف ، وأن الكرسي ليس بابًا للثراء ، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية وإنسانية عظيمة .
ومن هنا ، فإن إشهار الذمة المالية لكل من يتولى وزارة ، أو مؤسسة حكومية ، أو بنكًا ، أو جامعة ، أو شركة كبرى ، لم يعد ترفًا إداريًا ، بل ضرورة وطنية لحماية الدولة والمجتمع والإقتصاد وسمعة المؤسسات .
فما الذي يمنع أي مسؤول من أن يعلن منذ اليوم الأول حجم ممتلكاته النقدية والعقارية ؟
ما الذي يمنع أن تُسجل الأموال ، والأسهم ، والعقارات ، والحسابات البنكية ، والمركبات ، له ولزوجته وأبنائه ؟
ولماذا يخاف البعض من الشفافية إذا كانت أموالهم نظيفة ومكتسبة بعرق الجبين ؟
لقد أصبحت بعض مظاهر الفساد أكثر دهاءً ، فهناك من لا يسجل شيئًا بإسمه ، بل يضع كل شيء بإسم الزوجة أو الأبناء أو الأقارب ، وكأن الناس لا ترى ، وكأن الوطن بلا ذاكرة .
ولهذا ، فإن إشهار الذمة المالية يجب أن يكون شاملًا ، واضحًا ، دقيقًا ، ومُلزمًا ، وأن تتم مقارنة ما يملكه المسؤول قبل المنصب وبعد مغادرته له ، حتى يعرف الناس الحقيقة ، وحتى يبقى المال العام مصانًا من العبث والإستغلال .
إن الشعوب لا تنهض بالشعارات ، بل بالرقابة والمحاسبة والشفافية .
وحين يشعر المواطن أن القانون يُطبق على الجميع دون إستثناء ، فإنه يستعيد ثقته بالدولة ومؤسساتها ، ويؤمن أن الكفاءة والنزاهة هما طريق النجاح ، لا الواسطة ولا إستغلال النفوذ .
وأذكر هنا تجربة شخصية أعتز بها ، فعندما تشرفت بتولي إدارة إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية ، جلست لعشر دقائق فقط ، وأحصيت ما أملك من مالٍ وعقار ، ووضعته في مغلف سري ومكتوم ، لأنني كنت مؤمنًا أن المسؤول الحقيقي لا يخشى الوضوح ، ولا يقلق من كشف ذمته المالية ، لأن نظافة اليد هي أعظم شهادة يحملها الإنسان .
أما آن الأوان لأن يصبح إشهار الذمة المالية ثقافة وطنية ثابتة ؟
أما آن الأوان لأن نغلق أبواب الشبهات ، ونقطع الطريق على كل من يتاجر بالمنصب أو يعبث بالمال العام والخاص ؟
أما آن الأوان لأن ننتقل من مرحلة الحديث عن مكافحة الفساد إلى مرحلة التطبيق الصارم والعادل ؟
إن حماية المال العام ليست مسؤولية جهة رقابية فقط ، بل مسؤولية وطن بأكمله ، لأن الفساد حين يتمدد يسرق أحلام الناس ، ويقتل العدالة ، ويُضعف الإقتصاد ، ويصنع فجوة خطيرة بين المواطن ومؤسسات الدولة .
إن الوطن الذي يحاسب مسؤوليه بعدالة ، ويُلزمهم بإشهار ذممهم المالية ، هو وطن يبني الثقة ، ويحمي الأجيال ، ويؤسس لدولة قوية لا مكان فيها للفاسدين والمتسلقين وتجار النفوذ .
فالمنصب يزول ، والكراسي تتبدل ، لكن التأريخ لا يرحم ، والناس لا تنسى ، ويبقى أنظف المسؤولين هو من يستطيع أن يقول بثقة :
هذا ما أملك قبل المنصب ، وهذا ما أملك بعده ، ولم آخذ من الوطن إلا شرف الخدمة .




