باسم عارف الشورة
ليست العشائر الأردنية مجرد امتدادٍ اجتماعي في هذا الوطن، بل هي جذورٌ ضاربة في الأرض، وسياجٌ منيعٌ حمى الأردن عبر العقود، وكانت دائماً شريكاً للدولة في ترسيخ الأمن والاستقرار وصون السلم المجتمعي. وعندما تشتد المحن وتتعاظم المسؤوليات، يظهر معدن الرجال وتُعرف القبائل بأفعالها لا بأقوالها، وهنا تبرز قبيلة العجارمة العريقة بما تحمله من إرثٍ وطني وعشائري مشرف.
لقد قدمت قبيلة العجارمة، ومعها عشائر الغانم والمشاعلة والعواودة الكرام، درساً وطنياً وأخلاقياً رفيعاً في الحكمة والتسامح وضبط النفس، مؤكدة أن الأردنيين أبناء مدرسة واحدة عنوانها الشهامة والكرامة والاحتكام إلى العقل والقانون.
ففي موقفٍ يعكس عظمة القيم الأردنية الأصيلة، لم يكن الهدف مجرد معالجة تداعيات حادثة مؤلمة، بل كان الانتصار للوطن أولاً، وللحق ثانياً، وللسلم المجتمعي ثالثاً. فكان قبول العطوة وإبداء روح التسامح والصفح موقفاً يليق بعشائرٍ عرفت عبر تاريخها بالمواقف الكبيرة والقلوب الواسعة والحكمة عند الشدائد.
وتستحق عشائر الغانم الكرام كل التقدير والاحترام، فقد كانوا عند حسن الظن، وأثبتوا أن الكبار يبقون كباراً بمواقفهم، فغلبوا لغة الحكمة على الانفعال، وقدّموا مصلحة المجتمع والوطن على كل اعتبار. وكذلك عشيرة المشاعلة الكرام الذين كانوا كما عهدهم الأردنيون، أهل نخوةٍ ومروءة وعُرفٍ أصيل، فكان موقفهم امتداداً لسجلهم المشرف في الإصلاح والتسامح. أما عشيرة العواودة الكرام، فقد جسدوا صورة الأردني الأصيل الذي يعرف متى يكون الحزم ومتى يكون العفو، فكانوا مثالاً للرزانة والحكمة وبعد النظر.
ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز العشائري الوطني دون الوقوف بإجلال أمام الجهود الكبيرة التي بذلها الشيخ الفاضل عبدالكريم سلامة الحويان وعشيرته الكريمة، ومعه شيوخ ووجهاء عشائر الأردن الذين حملوا رسالة الإصلاح بكل مسؤولية واقتدار، مؤمنين بأن الحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه واجب وطني لا يقل أهمية عن أي واجب آخر.
إن العشائر الأردنية الأصيلة أثبتت مرةً أخرى أنها الحاضنة الحقيقية للقيم الوطنية، وأنها تقف دائماً خلف مؤسسات الدولة، داعمةً لسيادة القانون، ومؤمنةً بعدالة القضاء الأردني النزيه الذي يشكل المرجعية الأولى والأخيرة في إحقاق الحقوق وإنصاف المظلومين ومحاسبة المسيئين.
فالأردن الذي بناه الهاشميون على أسس العدالة والاحترام المتبادل، لم يكن يوماً دولة فوضى أو انتقام، بل دولة قانون ومؤسسات، والعشائر الأردنية كانت على الدوام السند المخلص لهذا النهج، تثبت الحق، وتناصر العدالة، وتحمي النسيج الاجتماعي من كل ما يهدد أمنه واستقراره.
سلامٌ على العجارمة فرسان المواقف، وسلامٌ على الغانم والمشاعلة والعواودة أهل الكرم والصفح والعفو، وسلامٌ على شيوخ ووجهاء الأردن الذين يكتبون بأفعالهم صفحاتٍ مشرقة من الحكمة والإصلاح. فأنتم عنوان الأصالة الأردنية، وأنتم الشاهد الحي على أن هذا الوطن سيبقى قوياً بأهله، عزيزاً بعشائره، راسخاً بعدالة قضائه، وموحداً تحت راية الهاشميين، لا تهزه الأزمات ولا تنال منه الفتن، لأن فيه رجالاً إذا قالوا فعلوا، وإذا حضروا انتصر العقل وانتصر الوطن.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمد المتوفين بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنهم فسيح جناته، وأن يلهم ذويهم الصبر والسلوان، وأن يديم على الأردن نعمة الأمن والاستقرار، ويحفظ قيادته الهاشمية الحكيمة، ويؤلف بين القلوب، ويجعل المحبة والتسامح والإصلاح نهجاً دائماً بين أبناء الوطن الواحد.
رحم الله من فقدنا، وحفظ الله الأردن أرضاً وقيادةً وشعباً، وأدام عليه نعمة العدل والأمن والسلام.




