الدكتور نسيم أبو خضير
ليس أعظم من مكانٍ تُرفع فيه كلمةُ الله ، وتُتلى فيه آياتُ القرآن ، وتجتمع فيه القلوب على طاعته ، من المسجد .
فالمساجد ليست مجرد أبنيةٍ تُقام فيها الصلوات ، وإنما هي مدارسُ للإيمان ، ومصانعُ للأخلاق ، ومواطنُ للسكينة ، ومجالسُ للألفة والمحبة والتعارف لا للتناطح .
في المساجد الكلام الطيب ، واللباس الجميل ، والرائحة الزكية ، والإبتسامة النيرة .
المساجد ليست لذوي القلوب القاسية ولا لدعاة الفتن والكراهية ، ولا لمن قطٌَب.َ وجهه وأزاح به عن غيره .
وقد أثنى الله تعالى على من يعمرونها فقال سبحانه : ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ﴾. وعمارة المساجد ليست عمارة الحجارة وحدها ، بل عمارةُ القلوب بالأدب ، والألسنة بالذكر ، والنفوس بالأخلاق ، والسلوك بالإحترام .
ومن المؤلم أن يرى المرء في بعض المساجد ممارساتٍ لا تمت إلى هدي الإسلام بصلة ، ولا تنسجم مع قدسية المكان . فالمسجد لم يُبنَ للتنازع والتخاصم ، ولا لرفع الأصوات ، ولا لإثارة الخلافات ، ولا للتشاحن بين المصلين . إنه بيتُ الله ، ومن دخله وجب عليه أن يخلع مع نعليه كلَّ خصومةٍ وكِبرٍ وغضب .
ومن أدب المسجد أن يدخل المسلم بسكينةٍ ووقار ، وأن يجلس فيه بخشوع ، ويقف بين يدي الله بقلبٍ حاضر ، وأن يحافظ على نظافته ومرافقه ومقتنياته ، فلايعبث بالمكيفات وثلاجات المياه ، وأن يتعامل مع المصاحف بكل توقيرٍ وإجلال ، فهي كلام الله عز وجل ، وأن يحافظ على أماكن الصلاة كما يحافظ على بيته بل وأكثر .
ومن الظواهر التي لا تليق بحرمة المساجد أن يحجز بعض الناس أماكن لأنفسهم أو لغيرهم قبل حضورهم ، وكأن للمسجد مقاعدَ خاصةً أو إمتيازاتٍ لفئةٍ دون أخرى . فبيوت الله تتساوى فيها الأقدام والقلوب ، ولا يسبق فيها أحدٌ إلى مكانٍ إلا بسبقه إليه ، ولا فضل فيها إلا بالتقوى .
ومن الأدب كذلك إحترام الإمام والمؤذن ولجنة المسجد ، فهم يؤدون رسالةً عظيمةً في خدمة بيوت الله ، كما أن الواجب عليهم في المقابل أن يعاملوا المصلين بالحكمة والرفق والعدل ، وأن يكونوا قدوةً في حسن الخلق وسعة الصدر ، فالعلاقة بين الجميع يجب أن تقوم على الإحترام المتبادل والتعاون على البر والتقوى .
إن المحافظة على صلاة الجماعة ينبغي أن تنعكس على سلوك المسلم في حياته كلها . فالمواظب على الصلاة هو أولى الناس بالأدب ، وأحسنهم معاملةً ، وألينهم جانبًا ، وأصدقهم لسانًا ، وأبعدهم عن إيذاء الآخرين. أما أن يخرج الإنسان من المسجد كما دخله ، أو أسوأ حالًا في تعامله مع الناس ، أو يكون سببًا في التشويش على المصلين وإزعاجهم بسلوكاته وتصرفاته ، فذلك خللٌ يحتاج إلى مراجعةٍ صادقة .
إن الصلاة ليست حركاتٍ تؤدى ، وإنما هي عبادةٌ تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وتزكي النفس ، وتربي الأخلاق . وإذا لم تترك الصلاة أثرها في اللسان ، وفي التعامل ، وفي الرحمة ، وفي التواضع ، وفي إحترام الآخرين ، فإن المسلم مطالب بأن يراجع نفسه ، وأن يسألها بصدق : أين أثر الصلاة في حياتي ؟
فلنجعل من مساجدنا مناراتٍ للمحبة ، ومدارسَ للأدب ، ومجالسَ للأخوة ، ولنتذكر دائمًا أننا حين ندخل بيوت الله فإننا ندخل أشرف بقاع الأرض ، فلا يليق بها إلا أحسن الأقوال ، وأجمل الأخلاق ، وأرقى السلوك .
إذا كانت صلاةُ الجماعة لا تُهذِّب أخلاقنا ، ولا تُصلح ألسنتنا ، ولا تُعلِّمنا إحترام الناس ، ولا تُورثنا الرحمة والتواضع ، فلنقف مع أنفسنا وقفةَ محاسبةٍ صادقة ، ولنسألها : ماذا جنينا من الصلاة إذا لم تظهر آثارها في أخلاقنا ؟ فالإسلام دينُ عبادةٍ وأخلاق ، ولا تكتمل العبادة إلا إذا أثمرت خلقًا كريمًا يليق بمن يقف بين يدي الله خمس مراتٍ في اليوم .



