د. خضر عيد السرحان
تتجدد في بعض المحطات السياسية حالة من العتاب والانزعاج في الشارع الأردني، تارةً جراء تجاهل خطابي أو نسيان صريح لذكر اسم المملكة الأردنية الهاشمية في بيانات وتصريحات رسمية صادرة عن قيادات في الفصائل الفلسطينية، وتارةً أخرى جراء استثناء الأردن من قائمة الشكر المقدمة لدول الإقليم والعالم عند الحديث عن جهود التهدئة أو تقديم الإغاثة لقطاع غزة. غير أن قراءة هذه الظاهرة من منظور سياسي وتاريخي حصيف تستوجب التمييز الدقيق بين ثبات المواقف الأردنية الممتدة عبر عقود، وبين عثرات الخطاب السياسي الحزبي أو الفصائلي المتغير.
الجغرافيا والتاريخ: توأمة الدم والمصير
لم تكن العلاقة الأردنية - الفلسطينية عبر التاريخ حالة طارئة تُدار بميزان "الشكر والامتنان"، بل قامت على وحدة المصير الممتدة من دماء الشهداء الأردنيين على أسوار القدس وفي اللطرون والكرامة، وصولاً إلى الارتباط الديموغرافي والجغرافي والأمني العضوي الذي يجعل من قضية فلسطين بالنسبة للأردن قضية مصلحة وطنية عليا وليست مجرد ملف في السياسة الخارجية.
وعلى مدى سنوات الحرب والعدوان على قطاع غزة، سلك الأردن مساراً ثابتاً يرتكز على الدعم الميداني والسياسي المباشر:
الدعم الإغاثي والطبي الميداني: شكّلت المستشفيات الميدانية الأردنية بقطاع غزة حائط صدٍّ طبي في أصعب الظروف، وابتكرت القوات المسلحة الأردنية آلية الإنزال الجوي للمساعدات لكسر طوق الحصار المفروض على أهل القطاع بمشاركة وتوجيه مباشر من جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله ورعاه
الجهد الدبلوماسي والموقف السياسي: قاد الأردن، بتناغم تام بين الموقف الرسمي والحراك الشعبي، تحركاً دولياً لتعرية خطط التهجير القسري، ورفض مساعي تصفية القضية الفلسطينية، والمطالبة بإيقاف العدوان بشكل دائم وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس بموجب الوصاية الهاشمية.
القفز عن الشكر وتسامي الموقف الرسمي
إن تجنب بعض القيادات الحزبية أو الفصائلية ذكر الأردن في المحافل والمناسبات التي تُوزّع فيها كلمات الشكر والثناء – كما حدث في بعض البيانات الموجهة عقب إعلان الهدن أو في التصريحات القيادية – يُرجعه مراقبون إلى محددات وإملاءات أيديولوجية وحسابات سياسية خاصة بتلك الفصائل مع محاور إقليمية معينة.
ومع ذلك، تعاملت الدولة الأردنية بمؤسساتها المختلفة بـتغاضٍ واتزان سياسي مع هذا التجاهل؛ إذ يُدرك الأردن الرسمي أن الواجب تجاه الشعب الفلسطيني لا يُربط برضا الفصائل ولا ينتهي بجفاء الخطابات السياسية. فلم تمنع هذه المواقف الأردن من مواصلة تسيير القوافل الإغاثية والطبية أو الاستمرار في أداء دوره المحوري كحاضنة وسند حقيقي للشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية.
يبقى الرهان الحقيقي موصولاً بوعي الشعوب وعمق الروابط الأخوية التي لا تهزها البروتوكولات ولا تؤثر فيها الأدبيات الحزبية؛ فالأردن عندما يقدم الدم والمال والدعم السياسي، يمارس دوراً تاريخياً إنسانياً وأخوياً أملته عليه قيم النخوة ومسؤولية الجوار والدين، بعيداً عن انتظار المنّ أو جني المكاسب الشفهية. وتبقى الحقيقة الميدانية الصارخة هي أن بوصلة الأردن كانت وستظل متجهة نحو دعم ثبات الشعب الفلسطيني على أرضه ونيل حقوقه المشروعة.
وسيستمر المسار الإغاثي، والتضامني، للأردن الشعبي، والرسمي، اتجاه أهلنا في غزة والضفة وفي كامل الأراضي المحتلة فعلا لا اقوال، لان الأردن يتسامى عن الصغائر.
حفظ الله الأردن ارض، وسماء، وبحر، وشعبا ابيا، وقيادة حكيمة، لم تتخلى يوما عن امتها رغم ما تواجهه من اجحاف من الاشقاء قبل الاعداء.




