السفير د. موفق العجلوني
جاء مقال الزميل العزيز سعادة السفير جمعة العبادي رفيق الدرب منذ عام ١٩٨٢ بعنوان "النادي الدبلوماسي الأردني.. بيت من بيوت الخبرة الوطنية" والمنشور في عمون الغراء يوم امس في توقيت بالغ الأهمية، ليعيد فتح ملف وطني طالما استحق الاهتمام والمتابعة، وليضع الإصبع على موضع الحاجة الحقيقية التي يتطلع إليها الجسم الدبلوماسي الأردني، والمتمثلة في تمكين النادي الدبلوماسي من أداء رسالته الوطنية والمهنية والفكرية على النحو الذي ينسجم مع المكانة المرموقة التي حققتها الدبلوماسية الأردنية على امتداد العقود الماضية.
ولعل ما طرحه السفير العبادي لا يمثل رأياً فردياً بقدر ما يعبر عن هاجس مشترك لدى العديد من السفراء والدبلوماسيين الأردنيين الذين يؤمنون بأن الخبرة الوطنية المتراكمة يجب أن تتحول إلى قوة مؤسسية مستدامة، لا أن تبقى مجرد ذكريات مهنية أو تجارب شخصية تنتهي بانتهاء سنوات الخدمة الرسمية.
ومن هذا المنطلق، فإنني أضم صوتي بالكامل إلى ما جاء في مقاله، خاصة وأنني كنت قد تناولت هذا الموضوع في مقالتين سابقتين نشرتهما عمون الغراء ، الأولى بعنوان "النادي الدبلوماسي بين التهميش والضياع"، حيث حذرت من مخاطر غياب الدور الفاعل للنادي ومن استمرار حالة الجمود التي حرمته من أداء رسالته الوطنية، والثانية بعنوان "انطلاقة النادي الدبلوماسي بتشكيل مجلس إدارة جديد والتي عبرت فيها عن الأمل بأن تشكل هذه الانطلاقة بداية مرحلة جديدة تستعيد فيها المؤسسة الدبلوماسية الأهلية مكانتها ودورها الطبيعي.
واليوم، وبعد أن وضع سعادةً الزميل جمعة العبادي يده على جوهر القضية، بات من الضروري الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة العمل والبناء والتطوير.
فالنادي الدبلوماسي الأردني ليس جمعية اجتماعية عادية، وليس إطاراً بروتوكولياً محدود التأثير، بل يفترض أن يكون إحدى المؤسسات الوطنية الحاضنة للخبرة السياسية والدبلوماسية الأردنية، وبيتاً من بيوت الحكمة الوطنية التي تراكمت عبر عشرات السنين من العمل في مختلف عواصم العالم ومنظمات الأمم المتحدة والمحافل الدولية والإقليمية.
لقد حظيت الدبلوماسية الأردنية، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، باحترام وتقدير دوليين، وأصبحت نموذجاً في الاعتدال والواقعية السياسية والقدرة على بناء التوافقات وصناعة الجسور بين الدول والشعوب. ولم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكم مؤسسي وجهد دؤوب شاركت فيه أجيال متعاقبة من السفراء و الدبلوماسيين الأردنيين الذين حملوا رسالة الأردن والدفاع عن مصالحه وقضاياه العادلة في مختلف أنحاء العالم.
ومن هنا، فإن السفراء والدبلوماسيين الأردنيين، سواء كانوا على رأس عملهم أو سابقين ، يظلون سفراء لجلالة الملك وللدولة الأردنية. فالدبلوماسية ليست وظيفة تنتهي بقرار إحالة إلى التقاعد، وإنما رسالة وطنية تستمر ما دامت الخبرة والمعرفة والعطاء قائمة.
إن هؤلاء السفراء الذين نهلوا من مدرسة القيادة الهاشمية الحكيمة، واكتسبوا خبرات تفاوضية وسياسية وقانونية واقتصادية واسعة، يمثلون ثروة وطنية لا تقدر بثمن، وينبغي أن يكونوا جزءاً من عملية صناعة المعرفة الوطنية، ومن جهود التدريب والتأهيل والتخطيط الاستراتيجي واستشراف المستقبل.
ولهذا فإن الحديث عن النادي الدبلوماسي يجب أن يتجاوز مسألة وجود مقر أو تنظيم نشاطات دورية، على أهميتهما، إلى بناء مؤسسة وطنية متكاملة ذات رسالة واضحة وأهداف استراتيجية محددة.
نريد للنادي أن يكون مركزاً وطنياً للفكر الدبلوماسي، وحاضنة للذاكرة المؤسسية الأردنية، ومنبراً للحوار السياسي والفكري، وجسراً للتواصل بين أجيال الدبلوماسيين، وشريكاً داعماً لوزارة الخارجية وشؤون المغتربين والمعهد الدبلوماسي الأردني.
كما نريد له أن يكون منصة للاستفادة من خبرات السفراء السابقين في التدريب والتأهيل وإعداد الكوادر الشابة، وفي تقديم المشورة والرأي في القضايا الدولية والإقليمية التي تمس مصالح الأردن العليا، وفي تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية والعامة، وهي مجالات باتت تشكل ركائز أساسية في العمل الدبلوماسي المعاصر.
ومن هنا فإن النادي الدبلوماسي بحاجة إلى حضورين متكاملين لا ينفصل أحدهما عن الآخر:
الأول: حضور مادي يتمثل في مقر دائم يليق بتاريخ الدبلوماسية الأردنية ومكانتها، ويكون مركزاً للنشاطات الفكرية والثقافية والدبلوماسية، وملتقى للسفراء والدبلوماسيين والباحثين وصناع القرار والوفود الزائرة.
أما الثاني، وهو الأهم والأبقى أثراً، فهو الحضور المعنوي والمؤسسي الذي يجعل من النادي مرجعية وطنية للخبرة الدبلوماسية الأردنية، وصوتاً مهنياً وفكرياً يعبر عن تراكم التجربة الأردنية في العلاقات الدولية، ويسهم في رفد مؤسسات الدولة بالرأي والمشورة والخبرة.
نحن الان ( سفراء جلالة الملكً الذي افنوا عمرهم في خدمة الدبلوماسية الاردنية ) أمام فرصة تاريخية لإطلاق مرحلة جديدة من العمل المؤسسي، مستفيداً من الدعم المعنوي الذي يقدمه معالي وزير الخارجية وشؤون المغتربين السيد ايمن الصفدي و الذي نامل ان يكون رىيس النادي الدبلوماسي و ان يكون النادي الدبلوماسي تحت مظلة وزارة الخارجية. وذلكً من الحرص الذي يبديه السفراء العاملين و السابقين وكافة الدبلوماسيين في وزارة الخارجية على نجاح هذه التجربة.
كما أن المسؤولية الوطنية تقتضي توفير مختلف أشكال الدعم للنادي حتى يتمكن من أداء رسالته، لأن الاستثمار في الخبرة الدبلوماسية الأردنية هو استثمار في أحد أهم عناصر القوة الناعمة للدولة الأردنية.
لقد شخّص سعادة الزميل السفير جمعة العبادي الواقع بدقة، وعبّر عن تطلعات مشروعة يتشارك فيها أبناء الأسرة الدبلوماسية الأردنية. وما نأمله اليوم أن تتحول هذه الرؤية إلى برنامج عمل واضح المعالم، يعيد للنادي مكانته المستحقة، ويجعله بيتاً حقيقياً للخبرة الوطنية، ومنارة للفكر الدبلوماسي الأردني، ورافعة تسهم في تعزيز حضور الأردن ودبلوماسيته في عالم تتسارع فيه التحولات والتحديات.
و من هذا المنبر اتوجه بنداء خاص ايضاً ان يكون الرىيس الفخري لمجلس ادارة النادي الدبلوماسي احد اصحاب الدولة لاسباب لا مجال لذكرها …!!! : طاهر المصري او هاني الملقي ، او عمر الرزاز ، او فيصل الفايز ، او سمير الرفاعي، او جعفر حسانً .
فالأردن الذي صنع مدرسة دبلوماسية تحظى بالاحترام والتقدير في العالم، يستحق أن يمتلك نادياً دبلوماسياً بمستوى هذا الإرث الكبير، وأن تبقى خبرات سفرائه ودبلوماسييه حاضرة وفاعلة في خدمة الوطن والقيادة الهاشمية والأجيال القادمة .
والله ولي التوفيق
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجيةً




