شريط الأخبار
طهبوب توجه إلى رئيس الوزراء 114 سؤالًا الأردن يعزي مصر بضحايا انقلاب حافلة معتمرين قرب مكة المكرمة بدء طلبات القبول الموحد لمرحلة التجسير للعام الجامعي 2026-2027 الأوقاف: تخصيص 8 آلاف حاج للأردن في 2027 «Kids Haretna».. أغاني أطفال عربية بروح جديدة الحكومة تمدّد إعفاء أجور الشحن البحري من الرسوم والضرائب 6 أشهر مجلس الوزراء يقر السياسة الوطنية لتنمية ورعاية الطفولة المبكرة الحكومة: تزويد لبنان بالغاز الطبيعي من خلال الباخرة العائمة في ميناء العقبة الحكومة: إنشاء 30 مدرسة نموذجية جديدة خلال عام 2027 إحالة مدير مكتب رئيس مجلس النواب وأمين عام المالية إلى التقاعد ويتكوف: نشعر بالتفاؤل إزاء المباحثات بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا الحجايا: قلعة القطرانة مؤهلة لتكون محطة سياحية رئيسية على بوابة الجنوب بودكاست الرئاسة .. مشروع إعلامي جديد ومبتكر تنشغل فيه رئاسة الوزراء فقي : مبارك اخذ موافقة العاهل السعودي قبل دخوله مجلس التعاون العربي الملك يتقبل أوراق اعتماد عدد من السفراء بينهم الإماراتي والجزائري ( صور ) قاليباف: أي هجمات على إيران ستقابل برد أسرع وأشد وأكثر إيلاما سنتكوم: إعادة توجيه 92 سفينة تجارية وتعطيل 3 ضمن الحصار البحري على إيران عون يطالب واشنطن والمجتمع الدولي بوقف الخروقات الإسرائيلية في لبنان حريق محلات مفروشات ومركبة في وسط البلد الجيش يدعو لعدم نشر التعيينات والتنقلات .. ونقابة الصحفيين تحذر

كُن صاحبَ أثرٍ.. لا صاحبَ مَظهر

كُن صاحبَ أثرٍ.. لا صاحبَ مَظهر
الدكتور علي عودة الطراونة
في زمنٍ أصبح فيه الاهتمام بالمظهر يسبق أحيانًا الاهتمام بالجوهر، وأصبح البعض منشغلًا بكيف يراه الناس أكثر من انشغاله بما يتركه في حياتهم، أجد أن من أجمل القواعد التي يمكن أن يعيش بها الإنسان: كُن صاحبَ أثرٍ.. لا صاحبَ مَظهر.

فالمظهر قد يلفت الأنظار للحظات، أما الأثر فيبقى في القلوب والذاكرة سنوات. وقد يمتلك الإنسان منصبًا أو لقبًا أو مالًا أو شهرة، ثم يرحل وينتهي كل شيء بانتهاء وجوده، بينما قد يمر إنسان بسيط في هذه الدنيا، لا يعرفه إلا القليل، لكنه يزرع خيرًا في كل مكان، فيبقى أثره حاضرًا حتى بعد رحيله.

وهذه هي القيمة الحقيقية للإنسان؛ ليست في مقدار ما جمع، ولا في عدد من عرفوه، ولا في الألقاب التي سبقت اسمه، وإنما فيما قدّمه، وفي القلوب التي أسعدها، وفي العقول التي أنارها، وفي يدٍ امتدت لمحتاج، أو كلمةٍ أعادت الأمل لإنسان.

وقد لخّص القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى:
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾
[الكهف: 46]
فما يبقى من الإنسان في النهاية ليس زخارف الحياة ولا مظاهرها، وإنما عمله الصالح وما قدّمه من خير.

ولعل من أعظم صور الأثر أن تفعل الخير دون أن تنتظر تصفيقًا، وأن تساعد دون أن تبحث عن كاميرا توثق مساعدتك، وأن تعطي دون أن تنتظر أن يعرف الناس أنك أعطيت. فالعمل الذي يكون لله لا يحتاج إلى جمهور.

قال تعالى:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾
[الإنسان: 9]
وفي زمن مواقع التواصل الاجتماعي تحديدًا، أصبح من السهل أن ننشغل بالصورة أكثر من الحقيقة، وبما نريد أن يراه الآخرون منا أكثر مما نحن عليه فعلًا. وليس العيب في أن يظهر الإنسان نجاحه أو يشارك إنجازه، ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المظهر إلى غاية، ويصبح رضا الناس أهم من رضا الله، ويصبح الإنسان مشغولًا بإثبات قيمته أمام الآخرين بدل أن يصنع قيمة حقيقية في حياته.

وهنا أتذكر قول النبي ﷺ:
«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»
رواه مسلم.
إنها قاعدة تختصر الكثير؛ الميزان الحقيقي ليس الصورة، بل القلب والعمل.

والأثر لا يحتاج دائمًا إلى أعمال عظيمة كما نتصورها. ربما تكون كلمة طيبة قلتها لإنسان في وقت كان يحتاجها، أو علمًا نقلته لطالب، أو خبرةً قدمتها لشاب في بداية طريقه، أو موقفًا وقفت فيه مع شخص لم يجد أحدًا إلى جانبه.

قال رسول الله ﷺ:
«لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»
رواه مسلم.
وقد ينسى الإنسان المعروف الذي صنعه، لكن من تلقّاه ربما لا ينساه طوال حياته.

ومن أجمل ما قيل في هذا المعنى بيت الإمام الشافعي:
قد مات قومٌ وما ماتت مكارمُهمُ
وعاش قومٌ وهم في الناس أمواتُ
فالإنسان قد يغيب جسده ويبقى ذكره وأثره، وقد يعيش بين الناس سنوات طويلة دون أن يترك وراءه شيئًا يُذكر.

ولهذا كان العلم من أعظم أبواب صناعة الأثر؛ لأنك عندما تعلّم إنسانًا شيئًا نافعًا، فأنت لا تغيّر لحظته فقط، وإنما قد تغيّر مسار حياته، وقد ينقل هو ذلك العلم إلى غيره، فيمتد الأثر إلى أشخاص ربما لن تلتقي بهم يومًا.

وهنا يأتي الحديث العظيم للنبي ﷺ:
«إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»
رواه مسلم.

تأمل عبارة «علم ينتفع به»؛ فقد يغيب المعلم، ويبقى علمه حاضرًا في طلابه. وقد يرحل المدرب، وتبقى مهارة علّمها لمتدرب أصبحت سببًا في نجاحه. وقد يرحل الكاتب، وتبقى كلمة كتبها سببًا في تغيير فكرة أو إصلاح حياة.

ولهذا أؤمن أن أجمل نجاح يمكن أن يحققه الإنسان ليس أن يقول الناس: كان مشهورًا، وإنما أن يقول أحدهم يومًا: كان له فضل بعد الله في حياتي.

قال تعالى:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾
[الزلزلة: 7]
فلا تستصغر أثرًا طيبًا، ولا تحتقر كلمة خير، ولا تنتظر أن تمتلك الكثير حتى تبدأ بالعطاء. اصنع أثرك بما تستطيع، ومن المكان الذي أنت فيه.

ومن الأقوال المأثورة الجميلة: «ازرع جميلًا ولو في غير موضعه، فلن يضيع جميل أينما زُرع.»
فليس شرطًا أن ترى نتيجة كل خير صنعته، وربما تزرع اليوم شيئًا يحصد ثماره إنسان آخر بعد سنوات.

ويقول أبو العتاهية:
أحسنْ إلى الناسِ تستعبدْ قلوبَهمُ
فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
والإحسان هنا ليس مالًا فقط؛ قد يكون علمًا، أو نصيحة، أو موقفًا، أو ابتسامة، أو وقتًا تمنحه لإنسان يحتاج إليك.

وفي النهاية، نحن جميعًا عابرون في هذه الحياة، مهما طالت بنا الأيام. ستتغير المناصب، وستزول الألقاب، وستبهت الصور، وسينشغل الناس بأشخاص وأحداث جديدة. لكن شيئًا واحدًا يمكن أن يبقى: الأثر.

لذلك لا تجعل أكبر طموحك أن يراك الناس، بل أن ينتفعوا بك.
ولا تجعل غايتك أن يعرف الجميع اسمك، بل أن يعرف الله صدق عملك.

ولا تبحث دائمًا عن المكان الذي يجعلك في الواجهة، بل ابحث عن المكان الذي تستطيع أن تصنع فيه فرقًا.
فكم من إنسان لم يكن صاحب شهرة، لكنه كان صاحب أثر.
وكم من إنسان ملأ الدنيا حضورًا، ثم غاب فلم يبقَ من حضوره شيء.

فكُن صاحبَ كلمةٍ طيبة، وصاحبَ علمٍ نافع، وصاحبَ موقفٍ نبيل، وصاحبَ يدٍ تمتد للخير.
كُن صاحبَ أثرٍ.. لا صاحبَ مَظهر؛
فالمظاهر تلفت الأنظار، أما الآثار الطيبة فتسكن القلوب.