القلعة نيوز-بقلم: جهاد مساعدة
لا يُقاس التعديل الوزاري بعدد الوزراء الذين غادروا، بل بعدد المستوزرين الذين ظلوا خارج الباب يتفقدون هواتفهم.
فالوزراء بقوا في مواقعهم، أما المستوزر، فعاد إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
وهناك تبدأ صحوته المتأخرة.
قبل التعديل بأيام، كان ذلك المستوزر هادئًا، متفائلًا، يمدح أداء الرئيس، متأهبًا للرد على هاتفه قبل أن يرن، تاركًا بدلته معلقة قرب الباب، تحسبًا لمكالمة تنقله في دقائق من محلل سياسي إلى صاحب معالي.
ثم انتهى التعديل، ولم يرن الهاتف.
عندها فقط اكتشف المستوزر أن الوطن في خطر، وأن الحكومة فاشلة، والاقتصاد يحتضر، والإدارة العامة مأزومة، والدولة تحتاج إلى إنقاذ عاجل.
مشكلة المستوزرين مع دولة الدكتور جعفر حسان هي أنه أفسد عليهم أجمل مواسمهم، موسم انتظار الكرسي.
وبين هؤلاء بعض الوزراء السابقين الذين يعرفون الكرسي معرفة قديمة؛ جلسوا عليه يومًا، ثم غادروه، لكن بعضهم أبقى روحه معلقة على مسنده، وما يزال يرى في كل تعديل فرصة للعودة، وكأن الدولة ارتكبت خطأ حين أكملت طريقها من دونه.
فبعض الوزراء السابقين لا يغادرون الحقيبة؛ يغادرهم المنصب فقط، ثم يقضون ما تبقى من الوقت في انتظار أن تعترف الدولة بخطئها وتعيدهم إليه.
وثمة صنف آخر وجد في العمل الحزبي طريقًا قد يقوده إلى مجلس الوزراء. دخل الحزب وعينه على حقيبة، وصار ينظر إلى العضوية كما ينظر المسافر إلى بطاقة صعود الطائرة: وسيلة إلى المقعد المنشود.
فالحزب، عند بعض المستوزرين، ليس فكرة، بل سُلّم، وآخر درجة فيه مكتوب عليها: معالي.
وإذا طال الانتظار ولم يلتفت إليهم الرئيس، تبدأ فجأة محاضرات الديمقراطية، ويصبح عدم التوزير أزمة في التحديث السياسي.
وثمة من اختار المعارضة وسيلةً للفت الأنظار إليه؛ يغرّد كل يوم، ويخص الشباب بنصيب وافر من حكمته، ويقترح أفكارًا يقدمها كما لو أنها هبطت للتو من مختبر العبقرية، مع أن ما يطرحه طُرح أو طُبّق قبل سنوات.
يعيد الفكرة القديمة، ويغيّر غلافها، ثم يقف إلى جوارها باعتزاز المخترع.
وكأن ذاكرة المؤسسات تبدأ من تاريخ تغريدته.
ليس في طرح الأفكار عيب؛ العيب أن يتحول أرشيف الآخرين إلى براءة اختراع شخصية، وأن يصبح ما أنجزه السابقون مادة لإعلان سياسي جديد.
فبعض المستوزرين لا يحتاجون إلى فكرة جديدة، بل إلى فكرة قديمة نسي الناس من بدأها.
وبلغ هرمون الاستيزار عند بعضهم مستوى أعلى؛ فلم يعد يكفيه نقد الحكومة، بل نادى بإقالتها كلها، وكأن مجلس الوزراء ينبغي أن يرحل لأن دولة الرئيس لم يختره وزيرًا.
لم يفتح دولة الدكتور جعفر حسان الحكومة بازارًا للحقائب، ولم يحوّل التعديل إلى حفلة جبر خواطر، ولم يخصص لكل طامح مقعدًا يناسب الحجم الذي رسمه لنفسه.
تمسك بفريقه.
وهذه، في عرف المستوزرين، إساءة شخصية لطموحهم.
لأن المستوزر لا يريد حكومة ناجحة بقدر ما يريد حكومة تكتشف أنها لا تستطيع الاستمرار من دونه.
وما أقسى أن تقضي سنوات مقتنعًا بأن الدولة تنتظرك، ثم تكتشف أن الدولة لم تكن تعرف أصلًا أنها متأخرة عن موعدك.
كل رنّة عنده احتمال.
كل رقم مجهول مشروع معالي.
وكل إشاعة تعديل تُعلن التعبئة العامة حول الهاتف.
ثم جاء التعديل، وقال الرئيس، بالفعل لا بالكلام: الوزراء باقون، والعمل مستمر.
فسقطت الأحلام، وعادت السير الذاتية إلى الأدراج، وبقيت البدلات بلا مناسبة.
ومنذ تلك اللحظة، تدفقت البصيرة.
صار المستوزر خبيرًا في الاقتصاد والإدارة والتشريع والإصلاح والشباب والعلاقات الدولية، واكتشف خلال ساعات ما لم يكن يراه حين كان يظن أن هاتف الرئاسة قد يرن.
يا لها من مصادفة:
كلما ابتعدت الحقيبة، اقتربت البصيرة.
لكن الفارق كبير بين خيبة الطموح ومصلحة الوطن.
أن تصبح الحكومة سيئة لأن فلانًا لم يدخلها، أو لأن وزيرًا سابقًا لم يعد إليها، فهذه ليست معارضة.
هذه حسرة ترتدي ربطة عنق، وتحمل سيرة ذاتية تحت إبطها.
ولا يحتاج دولة الدكتور جعفر حسان إلى مديح؛ أمامه معيار واحد: الإنجاز.
فالوزارة ليست جائزة ترضية، والحقيبة ليست تعويضًا عن سنوات الانتظار، والحزب ليس مصعدًا إلى الطابق الوزاري، والمعارضة ليست لوحة إعلانات للمستوزرين، والدولة ليست دائرة لشؤونهم.
مشكلتهم ليست أن الحكومة لم تفهمهم؛ مشكلتهم أنها لم ترهم بالحجم الذي يرون به أنفسهم.
ربما كانت أكبر خطايا دولة جعفر حسان، في نظر بعض المستوزرين، أنه تركهم ينتظرون ثم مضى إلى عمله.
فبقي الوزراء في مواقعهم، وبقي المستوزرون أمام هواتفهم.
أما الوطن، فارتكب في نظرهم الخطيئة الأفدح: واصل طريقه من دونهم.
ولم يلتفت ليقول:
تفضلوا... جاء دور معاليكم.




