حين يصبح العرّافُ محلّلًا سياسيًا… وتتحوّل النبوءة إلى غرفةِ عمليات
القلعة نيوز:
في كلِّ زمنٍ مرتبك، يخرج علينا قومٌ يبيعون الضباب في قوارير مذهّبة، يرفعون أصابعهم نحو السماء، بينما أيديهم تعبث في جيوب العقول.
مرةً باسم "الحدس”، ومرةً باسم "الطاقة”، ومرةً باسم "الرؤى”، حتى صار بعض الناس ينتظر نشرات المنجّمين أكثر من انتظاره نشرات الطقس، وكأن الغيب أصبح برنامجًا أسبوعيًا ترعاه الفضائيات، وتصفّق له جماهير الملل والخوف والفراغ.
إن أخطر ما في هؤلاء، ليس أنهم يخطئون أو يصيبون، فحتى الساعة المعطّلة تصيب مرتين في اليوم، وإنما الخطر الحقيقي أنهم يهيّئون الوعي الجمعي لتقبّل الكارثة قبل وقوعها، حتى إذا جاءت الفتنة، أو الحرب، أو الانهيار، قال الناس بدهشة المستسلم:
"لقد توقّعت ذلك!”
وهنا تكمن اللعبة.
فالعقل حين يُخدَّر بالتكرار، يفقد مناعته ضد الصدمة، ويصبح التمهيد النفسي أخطر من الحدث نفسه.
إنهم لا يقرؤون المستقبل بقدر ما يشاركون في صناعته نفسيًا، كمن يُلقي السمَّ في البئر، ثم يجلس حكيمًا ليشرح للناس سبب موتهم عطشًا.
ما هذه العبقرية الخارقة التي تجعل "المنجّم” يعلم باحتمال حرب في منطقة مشتعلة أصلًا؟
وما هذا الكشف الربّاني العجيب الذي يخبرنا بأزمة اقتصادية في عالمٍ يئنُّ أصلًا تحت الديون والفساد والاحتكار؟
إنها ليست نبوءات… بل قراءةٌ باردة لخرائط المصالح، ثم تقديمها للناس في طبقٍ من الرهبة والغموض والبخور التلفزيوني.
لقد تحوّل بعض المنجّمين إلى ما يشبه "الذراع الناعمة” للفوضى، يزرعون القلق في البيوت كما يزرع الفلاح القمح، لكن الفرق أن القمح يُشبع البطون، وهؤلاء يُشبعون الهلع.
يظهر أحدهم بوجهٍ جامد، ونبرةٍ مبحوحة، وكأنه خرج للتو من اجتماعٍ سري بين الكواكب، فيقول بثقة المسرحيّ المحترف:
"أرى حدثًا كبيرًا… أرى انهيارًا… أرى دماءً… أرى مفاجآت!”
يا للعجب!
وكأن منطقتنا كانت تعيش في نعيم سويسري حتى جاء هذا الكاهن لينقذ البشرية بتحذيراته!
ثم إنك لو فتّشت في كلامهم، لوجدته مطاطًا كالعلكة، يصلح لكل زمان ومكان.
فإن وقعت حادثة قالوا: "لقد قلنا!”
وإن لم تقع قالوا: "تغيّرت الطاقات!”
وبهذا الذكاء التجاري العجيب، لا يخسر العرّاف أبدًا، بينما يخسر الناس أعصابهم، وطمأنينتهم، وقدرتهم على التفكير الطبيعي.
المؤسف حقًا، أن بعض المجتمعات التي هجرت القراءة والعلم والعمل، أصبحت تتعلّق بأي صوتٍ يتحدث بثقة، ولو كان يقرأ المستقبل في فنجان قهوة أو في ذيل مذنّبٍ هارب.
فالإنسان حين يضعف وعيه، يبحث عن يقينٍ سريع، ولو كان كذبًا مزخرفًا.
إن الأمم لا تُبنى بالتنجيم، بل بالعقول التي تُحلّل، والقلوب التي تؤمن بالله، والإرادات التي تعمل.
أما تحويل الشاشات إلى مواخير للرعب المعلّب، فهذا ليس وعيًا بالمستقبل، بل اغتيالٌ للحاضر.
ولو كان هؤلاء يعلمون الغيب حقًا، لأخبرونا متى تنتهي تجارة الخوف التي يعيشون عليها.
ولأخبروا أنفسهم أولًا:
متى يسقط آخر قناعٍ عن وجه الدجَل الحديث؟




