رولا سمير حبش
هل تبدأ قصتي حقاً يوم ولادتي؟ أم أن جزءاً مني كان موجوداً قبل ذلك بسنوات وربما بعقود طويلة؟
يقول علماء الأنثروبولوجيا إن الإنسان ليس مجرد فرد يعيش حياته بمعزل عن الآخرين، بل هو نتاج تاريخ طويل من الثقافات والعادات والقصص والتجارب التي انتقلت عبر الأجيال. فنحن نحمل أسماء عائلاتنا ولهجاتها ومعتقداتها ومخاوفها وأحلامها، ونعيش داخل شبكة واسعة من التأثيرات التي بدأت قبل أن نولد بوقت طويل.
*لكن ماذا لو كانت بعض هذه التأثيرات لا تنتقل فقط عبر التربية والكلمات والقصص، بل أيضاً عبر الجسد نفسه؟
هنا يظهر مفهوم "ذاكرة الخلية”، وهو مفهوم أثار اهتمام الكثير من الباحثين والكتّاب في العقود الأخيرة. وتقوم فكرته الأساسية على أن الخلايا قد تحتفظ ببصمات معينة من الخبرات والتجارب التي مر بها الإنسان أو أسلافه، وأن هذه البصمات قد تظهر لاحقاً على شكل مشاعر أو استجابات أو أنماط سلوكية يصعب تفسيرها بالخبرات الشخصية وحدها.
قد يبدو الأمر غريباً للوهلة الأولى، لكن الأنثروبولوجيا نفسها تقدم لنا أمثلة كثيرة على استمرار الماضي داخل الحاضر. فكم من شعب ما زال يحمل آثار حرب انتهت منذ عشرات السنين؟ وكم من عائلة ما زالت تتصرف وفق مخاوف أو معتقدات نشأت في ظروف لم يعد لها وجود اليوم؟ إن الماضي لا يختفي بسهولة، بل يعيد تشكيل نفسه في صور جديدة.
ومن منظور علم النفس، أصبح الحديث عن انتقال الصدمات عبر الأجيال أكثر حضوراً من أي وقت مضى. فقد يلاحظ المعالج النفسي أن بعض الأشخاص يعيشون مشاعر خوف أو فقدان أو انعدام أمان لا تتناسب مع ظروف حياتهم الحالية ،وكأن هناك قصة أقدم ما زالت تهمس في أعماقهم.
ولعل هذا ما يجعل العلاقة بين الأنثروبولوجيا وذاكرة الخلية علاقة مثيرة للاهتمام. فالأنثروبولوجيا تبحث في الذاكرة الجماعية التي تنتقل عبر الثقافة، بينما تحاول نظريات ذاكرة الخلية فهم ما إذا كانت بعض آثار التجارب تنتقل عبر الجسد أيضاً. وفي كلتا الحالتين يبقى السؤال واحداً: كيف يستمر الماضي في العيش داخلنا؟
ربما لا نحمل فقط لون عيون أجدادنا أو ملامح وجوههم، بل نحمل أيضاً شيئاً من قصصهم وآمالهم ومخاوفهم وانتصاراتهم. وربما تكون بعض المشاعر التي نظن أنها تخصنا وحدنا جزءاً من رحلة إنسانية بدأت قبلنا بكثير.
إن الأنثروبولوجيا تعلمنا أن الإنسان كتاب تكتبه الأجيال المتعاقبة. أما مفهوم ذاكرة الخلية فيدعونا إلى التساؤل عما إذا كانت بعض صفحات هذا الكتاب قد كُتبت أيضاً داخل الجسد نفسه.
وفي النهاية، سواء أثبت العلم كل تفاصيل هذا المفهوم أم بقي بعضها في دائرة الفرضيات، فإن السؤال يبقى ساحراً: كم شخصاً يعيش في داخل كل واحد منا؟ وكم قصة قديمة ما زالت تنبض في خلايانا ونحن نظن أنها تخص حاضرنا فقط .
جاءت فكرة هذا المقال بعد حضوري الندوة الفكرية "تصورات في الأنثروبولوجيا الثقافية العربية – الجلسة الثانية” التي نظمتها وحدة الدراسات الأنثروبولوجي في المعهد العالمي للتجديد العربي بتاريخ 3 يونيو 2026، بمشاركة نخبة من الباحثين والمتخصصين في الأنثروبولوجيا.




