النائب أروى الحجايا
في زمنٍ تتلاطم فيه أمواج الإقليم، وتضطرب فيه خرائط المصالح، وتتسابق فيه الأزمات لتطرق أبواب الدول من كل اتجاه، يقف الأردن شامخاً كالسنديانة التي تعرف كيف تنحني للعاصفة دون أن تنكسر، وكيف تثبت جذورها في الأرض بينما تتطلع أغصانها إلى المستقبل.
ويأتي عيد الجلوس الملكي لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، مناسبة وطنية نستحضر فيها مسيرة دولة لم يكن طريقها مفروشاً بالورود، بل شُقَّ بين التحديات شقاً، وصيغت معالمه بالحكمة والصبر وحسن التقدير.
لقد كان العرش الهاشمي، منذ تسلم جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، عنواناً لعهد التعزيز للمملكة؛ تعزيز الدولة ومؤسساتها، وتعزيز مكانة الأردن إقليمياً ودولياً، وتعزيز مفهوم الاعتدال السياسي في عالم يميل إلى التطرف، وتعزيز الاستقرار في منطقة أصبح الاستقرار فيها استثناءً نادراً.
لم يكن الأردن يملك بحار النفط ولا خزائن الثروات الطبيعية الهائلة، لكنه امتلك ما هو أثمن من ذلك كله؛ قيادة تدرك أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن بناء الدولة لا يقاس بحجم الموارد بقدر ما يقاس بحسن إدارتها واستثمارها.
وفي محيط استراتيجي مشتعل، حيث الحروب على الحدود، والأزمات الاقتصادية العابرة للقارات، والتقلبات السياسية التي أطاحت بأنظمة وأربكت دولاً، حافظ الأردن على توازنه كربان ماهر يقود سفينته وسط بحر هائج دون أن يسمح للأمواج أن تبتلع وجهتها.
كانت الحكمة السياسية عنواناً ثابتاً في إدارة الملفات الكبرى، فلم ينجرف الأردن خلف الانفعالات، ولم يُساق إلى المغامرات، بل ظل ينظر إلى الأحداث بعين الدولة التي تزن الأمور بميزان المصالح العليا، وتحسب خطواتها بوعي المسؤولية التاريخية.
وعلى الصعيد الدولي، استطاع الأردن أن يرسخ حضوره واحترامه في المحافل العالمية، حتى غدا صوته مسموعاً حين يتحدث عن السلام، ومرجعاً حين يتناول قضايا المنطقة، ونموذجاً للدولة التي تجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في إدارة المتغيرات.
أما داخلياً، فقد استمرت مسيرة التحديث والتطوير، رغم ضيق الموارد وثقل الأعباء، لأن البناء الحقيقي لا يتوقف عند العقبات، بل يجعل منها درجات للصعود. وقد شهدت المملكة تطوراً في البنية التحتية، وتحديثاً في التشريعات، ومساراً إصلاحياً يسعى إلى تمكين الشباب وتوسيع المشاركة السياسية وتعزيز دور المؤسسات.
إن عيد الجلوس الملكي ليس مجرد ذكرى لتاريخ على الروزنامة، بل هو وقفة تأمل في رحلة وطن اختار أن يكون صوت العقل وسط الضجيج، ومنارة الاتزان وسط الفوضى، وواحة الاستقرار وسط عواصف المنطقة.
وفي هذه المناسبة المجيدة، يستذكر الأردنيون بفخر مسيرة ملك حمل الأمانة بإخلاص، وقاد السفينة بحكمة، وحافظ على ثوابت الدولة في زمن تبدلت فيه كثير من الثوابت، فكان عهده عهد التعزيز للمملكة، وتعزيز مكانتها، وتعزيز ثقة أبنائها بها.
حفظ الله الأردن، وحفظ قيادته الهاشمية، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، ليبقى كما أراده الآباء المؤسسون: وطناً عزيزاً، ودولةً راسخة، ورسالة اعتدال وإنسانية في عالم تتعاظم حاجته إلى الحكمة والاتزان.



