باسم عارف الشورة
تحلّ الذكرى السابعة والعشرون لجلوس جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين على العرش، لتكون أكثر من مناسبة وطنية تتجدد فيها مشاعر الاعتزاز والانتماء؛ فهي محطة لاستحضار مسيرة دولة وقراءة تجربة وطن استطاع عبر سنوات طويلة أن يحافظ على تماسكه واستقراره، وأن يواصل بناء مشروعه الوطني رغم التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة.
ففي التاسع من حزيران عام 1999، تسلّم جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية في مرحلة كانت المنطقة تدخل تحولات عميقة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية. ومنذ ذلك الوقت، مضى الأردن في مسار يقوم على ترسيخ الدولة الحديثة وتعزيز مؤسساتها وتطوير أدواتها وقدرتها على الاستجابة للتحديات، واضعًا الإنسان الأردني في قلب معادلة التنمية.
وعلى مدار سبعة وعشرين عامًا، واجه الأردن تحديات كبيرة؛ من أزمات اقتصادية عالمية، وتداعيات إقليمية، وحروب وصراعات ألقت بظلالها على المنطقة بأسرها، إلا أن الدولة الأردنية نجحت في الحفاظ على استقرارها ومواصلة البناء والتطوير. وهذا ما يمنح التجربة الأردنية خصوصيتها، ويجعلها جزءًا من سردية وطنية تشكلت عبر عقود من العمل والتأسيس.
فالسردية الأردنية لم تُبنَ على وفرة الموارد الطبيعية أو الإمكانات الاقتصادية الضخمة، وإنما على فكرة الدولة القادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية للوطن. وقد أكد جلالة الملك في أكثر من مناسبة أن "الإنسان الأردني هو أغلى ما نملك"، وهي رؤية تحولت إلى برامج وسياسات ومبادرات هدفت إلى تعزيز التنمية وتحسين جودة الحياة.
ومن خلال المبادرات الملكية التي امتدت إلى المحافظات والألوية والبوادي، جرى تنفيذ مشاريع تعليمية وصحية وإنتاجية وتنموية هدفت إلى تقليص الفجوة التنموية وتعزيز المشاركة المجتمعية وتحقيق التنمية المستدامة، بما يعكس رؤية تقوم على أن التنمية الحقيقية تبدأ من الميدان وتصل إلى جميع المواطنين دون استثناء.
كما شهدت المملكة خلال السنوات الماضية جهودًا واسعة لتطوير القطاع الصحي وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، بالتوازي مع العمل على بناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة وجذب الاستثمار وتوفير فرص العمل، ضمن رؤى تحديث اقتصادي تسعى إلى تعزيز النمو والاستدامة.
وفي الجانب السياسي، واصل الأردن مسار الإصلاح والتحديث عبر خطوات هدفت إلى تعزيز المشاركة السياسية وتطوير الحياة الحزبية والبرلمانية، انطلاقًا من قناعة بأن الدولة الحديثة تتطلب مؤسسات قوية وحياة سياسية فاعلة تستند إلى المشاركة والمسؤولية.
وفي الوقت ذاته، استمر الاهتمام بتطوير القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية، بما يضمن جاهزيتها وقدرتها على حماية الوطن والحفاظ على أمنه واستقراره في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
أما خارجيًا، فقد حافظ الأردن على حضوره السياسي ودوره الفاعل في الدفاع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي بقيت أولوية أردنية هاشمية ثابتة، انطلاقًا من موقف يؤكد أن تحقيق السلام العادل والشامل يبقى الطريق الوحيد لاستقرار المنطقة.
وفي الذكرى السابعة والعشرين لعيد الجلوس الملكي، يستعيد الأردنيون مسيرة سنوات من العمل والإنجاز، لكنهم يستحضرون أيضًا فكرة الدولة التي لم تتوقف يومًا عند حدود مواجهة التحديات، بل واصلت بناء المستقبل. فالأردن، الذي تأسست تجربته على الاعتدال والإنسان والمؤسسات، ما يزال يكتب سرديته الوطنية بإرادة لا تعرف التراجع، وبإيمان راسخ بأن الأوطان تُبنى بالعمل، وتستمر برؤية واضحة، وتكبر عندما يتحول الحلم إلى مشروع، والمشروع إلى إنجاز.




