كتب ووثق تحسين أحمد التل
يظهر علينا بين الفينة وأختها برامج عن الأكل الأردني، ويتم اختيار المنسف تحديداً للحديث عن هذه الثقافة الأردنية التي تُعد الأشهر على مستوى العالم، ويبدأ الجميع بالتنظير، واختراع مفاهيم أنا كأردني أستغرب من وجودها بين المتحدثين، أحدهم يقول إن المنسف لا يؤكل إلا بثلاثة أصابع، وآخر يقول يجب وضع اليد خلف الظهر على اعتبار أن هذا الفعل هو طقس أساسي للمنسف، وشخص يقول إن الرأس الموجود على قمة المنسف ممنوع للضيف أن يأكل منه، وترهات كثيرة صار العرب والأجانب يفصلونها عند إعداد المنسف الأردني الذي تشوه كثيراً بتفاصيله، وبطريقة إعداده، وطريقة تناوله.
ولتوضيح هذه الثقافة؛ ثقافة إعداد، وتقديم، وتناول المنسف، أوضح الأمور التالية:
أولاً: يؤكل المنسف باليد وليس بالملاعق، وبخمسة أصابع، وليس بثلاثة أصابع كما يقولون في بعض البرامج الساقطة علينا من قبل أشخاص؛ سمعوا، أو شاهدوا الطريقة في بعض المطاعم التي يقوم فيها غير الأردنيين بإعداد المناسف، وتقديمها مشوهة للضيوف، أو الزبائن، ولا يكتفون بتشويه المنسف؛ بل يقومون بتعليم الضيوف طرائق جديدة لتناوله، مثل عادة وضع اليد خلف الظهر، تلك العادة التي يشرحها صانع المنسف للضيف أو للزبون، ليست صحيحة بالمطلق، لأن وضع اليد خلف الظهر ما جاءت أصلاً إلا من أجل إفساح المجال لأكبر عدد ممكن من الأشخاص للوقوف أمام منسف واحد.
بمعنى؛ أن عادة وضع اليد خلف الظهر مع الوقوف بشكل جانبي؛ هي لإضافة مساحة لشخص آخر لتناول الطعام، ولم تكن من طقوس المنسف كما يدعي البعض، وهم بطبيعة الحال ليسوا من الأردن، لأنهم يعتقدون أن هذه العادة تمثل جزءً لا يتجزأ من الموروث الشعبي عند تناول المنسف.
ثانياً: أما الرأس فيجوز لأحد المعازيم، أو للمعزب نفسه أن يوزع لحمة الرأس واللسان والمخ على الضيوف، وتكريمهم، لأن الرأس يدل على أن صاحب الدعوة قد بالغ في تكريمهم، بوضع رأس الذبيحة أمامهم، وإطعامهم من مكوناتها، وكأن المعزب يقول لهم هذه الذبيحة كلها لكم، ولن أقبل أن يعود أي جزء منها، وليس كما يدعي البعض بأنه ممنوع على أي ضيف أن يمد يده ويأخذ لحماً من الرأس، لأن هذا عيب وإهانة للمعزب.
علينا أن نعرف أن المنسف الأردني موجود قبل عدة آلاف من السنين، أوجده الملك الأردني ميشع لمخالفة اليهود في طقوسهم، ولأنهم كانوا يحرمون طبخ اللحم باللبن، أمر الملك ميشع بإعداد اللحم وفق الطريقة المخالفة لليهود، وهذه الطريقة هي من مبادىء إعداد المنسف الأردني الأصيل.
تأتي فيما بعد الطريقة الثانية، وهي تنسيف القمح المجروش، وتنقيته من الصرار والقش، وبعض العوالق، ووضعه في صحن كبير مصنوع من النحاس، أو من الخشب، (وتصفيط) اللحم المطبوخ على القمح المجروش، (وتشريبه) باللبن المغلي أو ما يُعرف عند الأردني بالشاكرية، أو المليحية، وهذا هو المنسف الأردني الحقيقي.
لقد تم تطوير المنسف الأردني وفق طبيعة المنطقة، فمثلاً الجنوب الأردني؛ ما زالوا يضعون القمح الجريش بدل الرز، أو يقسمون صحن المنسف الى طبقتين، واحدة من الرز والثانية من الجريش، وسقايته بالسمن البلدي قبل وضع اللحم الضان فوق الرز، أو الجريش، وعند الحوارنة؛ الرمثا ودرعا وغيرها من المناطق المتاخمة للحدود الأردنية السورية؛ يقومون بوضع القمح الجريش، وتزيين المنسف بالكباب، مع تكبير قطعة اللحم بشكل ملفت للإنتباه، كنوع من أنواع الكرم، والمبالغة في تكريم الضيف.
أما في إربد، والسلط، وعمان وبقية مناطق الوسط، فالمنسف تقليدي، مكون من الرز، واللحم الضان، واللبن (الجميد) أو الشنينة، أو اللبن العادي، وإضافة السمن البلدي وفق الطلب والرغبة، وليس من الضرورة وضع رأس الخاروف على المنسف، وهناك عدد كبير من الفلاحين في إربد وقراها يصنعون المقطوطة، ويضعونها فوق المنسف، والمقطوطة مكونة من قطع لحم عجل، أو خروف مطبوخ مع بصل بالزيت أو بالسمن البلدي، وهذا أيضاً نوع من أنواع المبالغة بالكرم، وبصراحة والدتي كانت تطبخ المنسف، وتسميه منسف بالمقطوطة.
في البادية وعند الفلاحين أيضاُ هناك منسف الهفيت، والهفيت يتكون من اللحم المسلوق، والخبز الشراك أو المفتوت داخل الصحن، وإضافة مرقة اللحم على اللحم والخبز، وتناوله بالأيدي، والهفيت يشبه طعام الثريد الذي كان يفضله الرسول محمد (صل الله عليه وسلم).
محاولات بعض المطاعم بيع المنسف بالكاسة، هي محاولات تهدف الى تعهير المنسف الأردني، والإساءة لهذه الثقافة الأردنية المميزة، ليس هذا فقط؛ إنما الاستهزاء، وتدمير هذه الثقافة الأردنية المنفردة عن غيرها من ثقافات عربية للأسف الشديد.
ملاحظات خاصة بالبحث:
- الجميد – اللبن – الشاكرية – المليحية – الإقط، (لغة عربية إسلامية قديمة)، كلها أسماء متداولة عند إعداد المنسف الأردني، والجميد هو العنصر الرئيسي في إعداد المنسف، ومن بين أنواع الجميد هناك الجميد الكركي الذي يُعد من بين أفضل الأنواع في صناعة هذه الثقافة المميزة، إضافة الى اللحم البلدي بطعمه المميز.
- الصحن: هو سدر المنسف المصنوع من النحاس، له تجويف داخلي؛ لكي يستوعب زيادة السمن البلدي، أو الزيت، أو اللبن إذا زاد عن حده خلال عملية التشريب.
- الهفيت، هو نوع من أنواع المنسف، ويسمى بهذا الإسم، وهو مكون من الخبز الشراك، أو قطع الخبز، واللحم، ومرقة اللحم، فقط، وهو مرغوب في كثير من مناطق المملكة.
- تم إدراج المنسف الأردني، (سفير المائدة الأردنية) على لائحة التراث العالمي، بعد اكتمال الشروط الفنية المطلوبة من قبل اليونسكو، عام (2022).
- جاءت الموافقة لضمان حق الأردن في حفظ ملكية أصل المنسف، بما يتفق مع حق الدول في الحفاظ على رموزها الثقافية والاجتماعية.
انتهى التقرير بحمد الله جل شأنه وعلا.




