لواء متقاعد طارق الحباشنة
ماذا أصبح الراتب في الأردن أقصر من الشهر؟
لا يُقاس نجاح الاقتصاد بحجم المؤشرات وحدها، بل بقدرته على تحسين حياة المواطنين. ومن هذا المنطلق، يحاول هذا المقال الإجابة عن أحد أكثر الأسئلة حضوراً في الشارع الأردني اليوم: لماذا أصبح الراتب في الأردن أقصر من الشهر؟
*"نجاح أي سياسة اقتصادية لا يُقاس فقط بمعدلات النمو أو التضخم، بل بقدرة المواطن على الشعور بأن دخله أصبح أكثر كفاية.”*
في الدول التي تحقق نجاحاً اقتصادياً مستداماً، لا يكون السؤال الأهم: كم بلغ معدل النمو؟ أو كم تراجع العجز؟ بل: هل أصبح المواطن يعيش حياة أفضل؟ ومن هذه الزاوية تحديداً يبرز سؤال يفرض نفسه اليوم بإلحاح: لماذا أصبح الراتب في الأردن أقصر من الشهر؟ فغالبية الأسر لم تعد تبحث عن تحسين مستوى معيشتها بقدر ما تبحث عن وسيلة تجعل الراتب يكفي حتى نهاية الشهر، وهو ما يجعل قضية الدخل وكلفة المعيشة تتجاوز بعدها الاقتصادي لتصبح قضية وطنية تمس الاستقرار الاجتماعي والثقة بالاقتصاد.
وتشير المؤشرات الرسمية إلى أن الاقتصاد الأردني حافظ على قدر من الاستقرار رغم التحديات الإقليمية والدولية، إلا أن هذا الاستقرار لم ينعكس بالقدر الكافي على القوة الشرائية للمواطن. فقد بلغ معدل التضخم خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام *2026* نحو *1.88%*، وفد يبدو هذا المعدل منخفضا في ظاهره إلا أن اثره يصبح أكثر وضوحاً عندما لا تنمو الدخول بالوتيرة نفسها بينما يستند الرقم القياسي للأسعار إلى سلة تضم *850* سلعة وخدمة، وهو ما يعكس بصورة واسعة التغيرات التي تمس حياة الأسر الأردنية. لكن جوهر المشكلة لا يكمن في التضخم وحده، وإنما في اتساع الفجوة بين نمو الأسعار ونمو الدخول، الأمر الذي يؤدي تدريجياً إلى تآكل القدرة الشرائية، وتراجع الادخار، وتأجيل قرارات التعليم والتملك والاستثمار.
وتزداد هذه الفجوة اتساعاً مع استمرار معدل البطالة عند *16.1%* وفق أحدث البيانات الرسمية، إذ لا تعني البطالة غياب الدخل فحسب، بل تعني أيضاً تراجع الطلب في السوق، وضعف النشاط الاقتصادي، وانخفاض قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل جديدة. وهكذا تتداخل ثلاثة عوامل رئيسية في دائرة واحدة: أسعار ترتفع، ودخول لا تنمو بالوتيرة نفسها، وفرص عمل لا تكفي لاستيعاب الداخلين إلى سوق العمل، لتصبح النتيجة النهائية شعوراً متزايداً لدى المواطن بأن دخله يفقد جزءاً من قيمته عاماً بعد عام.
ومن هنا، فإن تحسين مستوى معيشة المواطنين وتوفير فرص العمل ليسا مجرد مطلبين اقتصاديين، بل يمثلان توجيهاً ملكياً واضحاً. فقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني، في كتاب التكليف السامي الموجه إلى حكومة الدكتور جعفر حسان، ضرورة المضي في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي بما يكفل مضاعفة الاستثمار، وزيادة فرص التشغيل لأبناء الوطن وبناته، وتحقيق نوعية حياة أفضل للمواطنين.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، فإن نجاح السياسة الاقتصادية لا ينبغي أن يقاس فقط باستقرار المؤشرات الكلية، وإنما بقدرتها على تحسين حياة الناس بصورة ملموسة. فالمواطن لا يحكم على الاقتصاد من خلال التقارير والإحصاءات، بل من خلال قدرته على تأمين احتياجات أسرته، وتوفير تعليم جيد لأبنائه، والادخار لمستقبله، والشعور بأن جهده ينعكس على مستوى معيشته. وعندما تصبح هذه المعايير جزءاً من عملية تقييم الأداء الاقتصادي، يقترب الاقتصاد أكثر من تحقيق غايته الأساسية، وهي خدمة الإنسان، ويصبح نجاح السياسات مرتبطاً بمدى قدرتها على ترجمة التوجيهات الملكية إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.
ويبدأ ذلك بتبني سياسة اقتصادية تجعل المواطن الأردني محور التنمية، من خلال تحفيز الاستثمارات المنتجة القادرة على خلق فرص عمل نوعية، والعمل على رفع الدخول الحقيقية بصورة مستدامة، ومراجعة الرسوم والضرائب التي تؤثر مباشرةً في كلفة المعيشة بما يحقق التوازن بين متطلبات المالية العامة وحماية المواطن، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز المنافسة والرقابة على الأسواق الى جانب تبني سياسة واضحة لحماية الطبقة الوسطى باعتبارها الركيزة الأساسية للاستهلاك والاستثمار والاستقرار الاجتماعي.
ولا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن يحقق أهدافه مالم يترجم إلى تحسن ملموس في دخل الأسرة الاردنية، وتوسع في فرصة العمل وارتفاع جودة الحياة ، فهذه هي المعايير التي يقيس بها المواطن نجاح السياسات الاقتصادية قبل ان تعكسها التقارير والمؤشرات الرسمية.
ولذلك، فإن القضية لم تعد تتمثل في أن الراتب أصبح أقصر من الشهر، بل في كيفية بناء اقتصاد يعيد لهذا الراتب قيمته الحقيقية، ويمنح المواطن شعوراً بأن ثمار التنمية تنعكس على حياته اليومية. فالإصلاح الاقتصادي الناجح هو الذي يظهر أولاً على مائدة الأسرة، وفي فرص العمل، وفي مستوى الدخل، قبل أن يظهر في التقارير والمؤشرات، لأن الاستثمار في الإنسان يبقى الاستثمار الأكثر استدامة، وهو الطريق الأقصر إلى اقتصاد أكثر قوة ودولة أكثر استقراراً.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يكون على طاولة الحكومة وصانع القرار: *هل سنكتفي بإدارة الضغوط الاقتصادية عاماً بعد عام، أم سننتقل إلى مرحلة بناء اقتصاد يكون معيار نجاحه الأول تحسن مستوى معيشة المواطن، واتساع الطبقة الوسطى، واستعادة الراتب لقيمته الحقيقية؟*
فالإجابة عن هذا السؤال لن ترسم ملامح السياسة الاقتصادية في السنوات المقبلة فحسب، بل ستحدد أيضاً مستوى الثقة بين الدولة والمواطن، وهي الثقة التي تشكل الأساس الحقيقي لأي إصلاح اقتصادي مستدام*.*
المصادر الرسمية: دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، والبنك المركزي الأردني، وكتاب التكليف السامي الموجه من جلالة الملك عبدالله الثاني إلى دولة الدكتور جعفر حسان، والبيانات والإصدارات الرسمية ذات الصلة بموضوع المقال.



