الظواهر المنفلتة : شباب متسكعون (أصواتهم منكرة، مفرداتهم ساقطة، سراويلهم ساحلة)
القلعة نيوز -
من المؤكد أن بعضنا ظل الطريق وانحرف عن جادة الصواب ضاربا بعرض الحائط منظومة القيم والأخلاق التي تربينا عليها والمستمدة من ديننا الحنيف، فقد أصبحت سلوكيات البعض كالقربة المخزوقة تنزف الماء الآسن في الأماكن العامة وعلى أطراف الشوارع، وفي الأحياء السكنية والتي ما عادت تسكن فيها النفس، بل أصبحت تعج بالصخب والإزعاج.
نفرح ونعزف وندق الطبول ونرفع أصوات المكبرات في كل مناسبة صغيرة كانت أو كبيرة، وهي مناسبات لا تعدو إلا مرحلة من مراحل الحياة الروتينية والعادية، وربما لا يستحق بعضها منّا أن نتوقف عندها ولو للحظة.
نعم نملأ فراغ حياتنا بعادات وأفراح شكلية مصطنعة، وسلوكيات عبثية، نُفرّغ من خلالها كبتنا، ونفش غلنا، ونقلد فيها بعضنا بعضا تقليدا أعمى، ونسد فيها نقصنا وتقصيرنا، وفيها يتجلى التناقض الذي نعيشه، فالظاهر فرح والباطن شيء آخر، إنها حالة من التفاخر والتظاهر، نعزي من خلالها ونسلي أنفسنا خلافا لما بداخلنا، ونضحك على أنفسنا، ونعلم أنها لحظات فرح عابرة يعقبها معاناة الحياة والبحث عن الفرص النادرة، حتى باتت حياتنا ضربة حظ تخيب أكثر مما تصيب.
لقد أفرغنا هذه العادات من مضمونها، وصارت بالنسبة للبعض همّا يحتكم للبرتوكولات، وما أن تنتهي المناسبة حتى ينجلي همها، وتبقى تكاليفها المادية دينا في رقاب بعضنا.
وسط السكون، وبينما تشعر بالهدوء تقفز فزعا على أصوات الألعاب والعيارات النارية التي يفوق صوتها أصوات المدافع ليعلم الجيران بخبر نجاح أحدهم في الأول ثانوي وهنا البداية، وفي السنة الثانية التوجيهي يتكرر المشهد، وعندما يقبل في الجامعة يحتفل، وعندما ينهي متطلبات التخرج يحتفل، وعند حفل التخرج يحتفل، واذا خطب احتفل، وليلة الحناء يحتفل، ثم في حفل الزواج يكرر الاحتفال، وأما الجاهة فلها حديث آخر، ومع اول مولود يحتفل، وعند الختان يحتفل.....
أما اولئك النفر من السائقين والركاب والذين خرجوا بأجسادهم من نوافذ المركبات للتعبير عن فرحهم وقد أغلقوا الطرق بمواكب الأفراح دون مراعاة لمشاعر الآخرين، ولا مدركين لحاجة غيرهم للوصول، ولا آبهين أو مكترثين لسيارة إسعاف أو إطفاء تسابق الوقت لإنقاذ حياة الناس، فهم بذلك السلوك الأرعن الفوضوي يجسدون الصورة السلبية لحياة ما عدنا فيها نشعر بالراحة والهدوء.
صالات الأفراح والمناسبات تم ترخيصها لتقام على أطراف الشوارع الرئيسة، يقابلها محال تجارية ومؤسسات خاصة وجميعها بلا مواقف كافية للسيارات، تعيق حركة السير وتهدد حياة الإنسان وسلامته، وتهدر وقته وصحته، إنها جزء من الفوضى الخرّاقة للأنظمة والقوانين يلفها ضعف ووهن في تنفيذها من قبل الجهات المعنية.
الشباب المتسكعون في النهار وفي الساعات المتأخرة من الليل والذين ملأوا المكان والأحياء السكنية صخبا بضحكاتهم وبأصواتهم المنكرة، ومفرداتهم الساحلة الساقطة، وقد سحلت معها أخلاقهم وسراويلهم وبان المستور.
أما باعة الغاز والخضار والباحثين عن الخردة فقد زادوا المكان ضجيجا، وملأوا الجو تعسا وتشاؤما، وباتت أصواتهم كوابيس تلاحق كبار السن والأطفال في نومهم فما أن تغمض عينيك وتغفو في ساعات ما بعد الظهيرة تصحو على صوت بائع الخضار مستخدما مكبرات الصوت وهو ينادي (صندوق البندورة بدينار، بطاطا، كوسا...) ثم يتبعه صوت آخر(اللي عنده خردة، اثاث مستعمل للبيع...) ثم يتبعه بائع الغاز بصوته المعتاد ليزيد الجو تلويثا سمعيا.
الباعة على جوانب الطرق وقد وضعوا بضاعتهم في جزء من الطريق أو الرصيف مشكلين خطرا على حياة مستخدمي الطرق، ومغلبين مصالحهم الشخصية والقليل من الثمن البخس على المصلحة العامة وسلامة الآخرين.
وذلك الذي يزنّ في أذنيك لساعات طويلة دون توقف مستخدما (كونبريسة) ودرل، وشواكيش للطرق لغايات أعمال البناء والترميم ودون أدنى مراعاة لراحة الآخرين ومشاعرهم.
تغفو في وقت متأخر من الليل ثم تصحو قبيل الفجر مرعوبا على أصوات الكوابح والتفحيط، وأصوات السيارات والدراجات النارية تسابق الريح وسط الأحياء السكنية.
مناظر النفايات وبقايا الطعام التي يتركها بعض الشباب ممن يسهرون لساعات متأخرة من الليل على الدواوير وفي الشوارع لا تسر الناظرين، وتضعف بارقة الأمل والرجاء في بناة المستقبل، وتنذر بأن القادم أسوأ، وتؤشر بالأحمر إلى تدني مستوى الثقافة والأخلاق والذوق العام، وقلة الحياء.
اعتداءات على الأرصفة من قبل أصحاب المحال التجارية، والباعة المتجولين، وبضاعة مزجاة هنا وهناك، وبسطات من الخضار والأدوات المعروضة على الأرصفة وحتى في الشوارع، فوضى تلف الكثير من الأماكن، وقد أصبحت معها الأنظمة والتعليمات كالقطعة المخروقة لا وزن لها ولا اعتبار.
لذلك بات من الضروري الحزم في معالجة هذه المشاهد والظواهر المنفلتة قبل تفاقمها، وقبل أن نفقد السيطرة عليها، وقبل تمادي مرتكبوها في انفلاتهم وفوضويتهم، والعمل بحزم لملاحقتهم ومحاصرتهم بالقوانين وبالإجراءات الرادعة والمبتكرة، فالأولوية باتت تكمن في تنظيف المجتمع من الظواهر السلبية، بدلا من تنظيفه إعلاميا وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الخطب والتصريحات.
د. عديل الشرمان




