خليل قطيشات
ترجل وزير التربية والتعليم الدكتور عزمي محافظة إلى صحن المدرسة، وكان بمقدور الزيارة أن تمضي وفق البرتوكول المعتاد؛ مكتبٌ يتصدر المكان، وكرسيٌّ شاهق، ومسؤولٌ يجلسُ خلف سياجٍ من الهيبة الإدارية بينما يتوزع الآخرون على الهوامش. لكن تلك اللحظة بالذات شهدت انكساراً شامخاً للنمط الإداري التقليدي، ولادةً لمعنىً جديدٍ في إدارة الميدان.
جلس الوزير قبالة مديرة المدرسة كفاحاً، بلا ساترٍ خشبي ولا حواجز رسمية. هبط من علياء المنصب إلى المساحة التي تتلاشى فيها الألقاب لصالح الإنسان، حيث يصبح الحوار أعمق، والإصغاء أصدق، والقلب حاضراً قبل الصفة الإدارية.
قد يبدو المشهد للعين العابرة مجرد توزيعٍ عفوياً للمقاعد، لكن العارفين بجوهر القيادة يدركون أن التفاصيل الصغيرة تهتف أحياناً بأسبياتٍ تتوارى أمامها عظمة الخطب. لم يحتاج الوزير إلى أن يستوي خلف المكتب ليعرف الجميع موقعه، ولا إلى استعراض الصلاحيات ليفرض سطوته؛ إذ أشرقت قيادته حين أطفأ مظاهر السلطة، وتحدث تواضعه بلسانٍ أبلغ من سائر التوجيهات.
هذه هي الروح التي تفتقر إليها المؤسسات التعليمية؛ مسؤولٌ يطرق باب المدرسة بروح الشريك الذي يسعى لفهم الواقع خلف أبواب الغرف الصفية، لا بصرامة المفتش المتعقب للعثرات، ولا بزهو الإداري المنتظر لمظاهر التبجيل. المدرسة حين تستقبل قياديها، لا تفتح له مجرد غرفة اجتماعات، بل تفتح له شريان حياتها؛ صدى أصوات المعلمين، مكابدات المديرين، وإيقاع اليوم الدراسي الذي يضيع دائماً بين سطور التقارير الرسمية الجافة.
وفي المقابل، ما نزال نرقب أحياناً ذلك النمط الإداري الذي يبحث فيه المسؤول فور دخوله عن مقعد المدير، وكأن المكانة تستمدُّ وجودها من قطعة أثاث. وهناك، خلف ذلك الساتر، تتيبس لغة الجسد، وتتسع المسافة الفاصلة، ويتحول المكتب إلى جدارٍ سميكٍ يفصل بين السلطة ونبض الواقع. غير أن القائد الحقيقي ليس من يشعر الآخرين بدنوّ منازلهم، بل من يمنحهم الشعور بأهمية وجودهم، وبأن أصواتهم تجد آذاناً صاغية وقلوباً حية.
إن جلوس الدكتور عزمي محافظة قبالة مديرة المدرسة لم يكن لقطةً عابرة للالتقاط التذكاري، بل كان رسالةً بليغة الأثر لكل قيادي؛ أن اخلع نعل الكبرياء قبل أن تطأ أرض الميدان، واجلس حيث يجلس الفاعلون الحقيقيون، فثَمّ تبدأ المعرفة الصادقة، وهناك فقط تُبنى جسور الثقة التي لا تهدمها الأيام.




