خليل قطيشات
في أزقة السلط القديمة، حيث تفوح رائحة التاريخ من بين مسامات الحجر الأصفر المعاني، لا يتوقف الزمان عن سرد قصصه الضاربة في جذور الأصالة، بل يرتدي كل يوم ثوباً جديداً ينبض بالحياة. وفي قلب هذا الشارع العريق، الذي طالما كان شاهد حياً على التحولات الفكرية والاجتماعية في الأردن، يتجلى منتدى شارع الخضر للثقافة والفنون كمنارة إشعاع حضاري، تحرس الهوية الوطنية وتفتح نوافذ الأمل أمام طاقات إبداعية لا تنضب. إن ما يبذله هذا المنتدى من جهود استثنائية ومباركة لم يكن مجرد نشاط عابر أو حضور بروتوكولي تقليصي، بل هو ملحمة ممتدة من العمل الدؤوب والمؤثر الذي يستحق كل الإشادة والتقدير، بعد أن استطاع ببراعة أن يعيد تحريك الركود ويمزج بين عراقة الماضي وحيوية الحاضر في مشهد ثقافي مهيب.
لقد تحول المنتدى بفضل رؤية قادته وإخلاص القائمين عليه إلى نبض حي يتردد صداه في أرجاء المدينة وخارجها، حيث تتجسد إنجازاته الميدانية في تنظيم سلسلة متواصلة من الأمسيات الشعرية والندوات الفكرية التي جمعت بين كبار أدباء الأردن والمبدعين الصاعدين، مما خلق حالة من التلاقح الفكري الفريد بين الجيلين. ولا تقف إنجازات المنتدى عند حدود الكلمة، بل امتدت لتشمل تنظيم المعارض التشكيلية المفتوحة التي حولت أروقة الشارع العتيق إلى جداريات حية تنبض بالألوان، إلى جانب إقامة الورش التدريبية المجانية المتخصصة في مجالات الخط العربي، والموسيقى الشرقية، والمهن الحرفية التقليدية التي تحمي الموروث الشعبي السلطي من طيات النسيان والتهميش.
ولم يكتفِ المنتدى بالجانب النظري أو الفني فقط، بل برز كمنصة حوارية مجتمعية رائدة تفردت بإطلاق مبادرات نوعية تسلط الضوء على التراث العمراني والإنساني للمدينة، من خلال الندوات الميدانية والجولات الثقافية الموجهة للشباب والزوار، فضلاً عن تأسيس نوادٍ مصغرة للقراءة ونشاطات حكواتية تستهدف الأطفال والناشئة، مما أسهم بشكل مباشر في بناء ثقافة قرائية وتذوقية لدى أجيال المستقبل، وإعادة تربيطهم ببيتهم الثقافي الأصيل.
إن هذه النجاحات المتراكمة والإنجازات الشاملة لم تكن وليدة المصادفة أو ضربة حظ، بل هي ثمرة إيمان عميق ورسالة راسخة تبناها المنتدى لرد الاعتبار للعمل الثقافي الأهلي، وجعل الثقافة حقاً متاحاً للجميع بعيداً عن النخبوية والغاليريات المغلقة. إن هذا الحراك الحيوي ومتعدد الأبعاد يعكس حسّاً وطنياً عالياً ومسؤولية راقية تجاه الموروث الثقافي للشهباء، مما جعل من منتدى شارع الخضر نموذجاً يُحتذى به في الأردن على مستوى المبادرات الذاتية، وقوة ناعمة تستمر في غرس بذور الإبداع، وصناعة الفارق الحقيقي في وجدان المدينة وأبنائها، ليبقى الشارع حياً بالحكايات، وعامراً بال هنر والفكر والأمل.




