الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجامعات: كم بحثاً نشرنا؟ بل ماذا غيّرت هذه الأبحاث؟ وكم مشكلة وطنية أسهمت في حلها؟ وكم فكرة انتقلت من المختبر إلى الصناعة أو السوق أو القرار العام؟ فالدول التي تتعامل مع البحث العلمي باعتباره استثماراً وطنياً لا تقيس نجاحه بعدد الأوراق المنشورة وحده، وإنما بما ينتجه من معرفة وتكنولوجيا وبراءات اختراع وشركات وحلول وفرص عمل.
من هنا تكتسب الأولويات الوطنية للبحث العلمي للأعوام 2026-2035، التي أطلقها المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، أهمية تتجاوز إعداد قائمة بالموضوعات المقترحة للباحثين. فقد بُنيت هذه الأولويات بمشاركة نحو 700 خبير محلي ودولي، وغطت 15 قطاعاً استراتيجياً تشمل المياه والطاقة والأمن الغذائي والصحة والأمن الوطني وغيرها، وربطت منهجيتها البحث العلمي برؤية التحديث الاقتصادي وأهداف التنمية المستدامة والمشاريع الوطنية والأثر الاقتصادي والاجتماعي المتوقع. والأهم أنها وضعت إطاراً يمتد لعشر سنوات، بما يسمح بتراكم المعرفة والخبرة بدلاً من تشتيتهما في مشاريع متفرقة.
والحاجة إلى هذا التحول تؤكدها الأرقام. فالإنفاق الأردني على البحث والتطوير ما يزال دون 1% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يجعل حسن توجيه كل دينار ينفق على البحث العلمي مهماً بقدر أهمية زيادة التمويل نفسه. ومن هنا تأتي الدعوة إلى رفع استثمارات الجامعات في البحث والتطوير وتوجيه جزء أكبر منها نحو الأولويات الوطنية، بحيث تصبح الموازنة البحثية أداة لتحقيق أهداف محددة يمكن قياس نتائجها.
وتزداد أهمية ذلك عندما ننظر إلى حجم المشروع الاقتصادي الوطني. فالبرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي 2026-2029 يضم 182 مبادرة موزعة على 25 قطاعاً، تنفذ من خلال 392 مشروعاً، بكلفة تأشيرية تقارب 3.8 مليار دينار. هذه ليست أرقاماً بعيدة عن الجامعات ومراكز البحث؛ بل يمكن قراءتها بوصفها خريطة واسعة للأسئلة والتحديات والفرص التي يستطيع البحث العلمي الأردني أن يسهم في التعامل معها.
وهنا تبدأ مسؤولية الجامعات. تستطيع كل جامعة أن تحول الأولويات الوطنية إلى خريطة بحثية داخلية، تربط مشاريع التخرج ورسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه والمجموعات والمراكز البحثية بالمشكلات الوطنية المحددة. وبدلاً من عشرات الدراسات المنفصلة حول قضية كالمياه أو الطاقة أو الأمن الغذائي، يمكن بناء مسارات بحثية تمتد لسنوات، تبدأ بتحديد المشكلة وقياسها، ثم تطوير الحل واختباره، وصولاً إلى تقنية أو منتج أو سياسة قابلة للتطبيق.
وهذا يفرض تغييراً في مؤشرات النجاح. فلا يكفي أن نسأل عن عدد الأبحاث والاستشهادات العلمية، بل يجب أن نسأل أيضاً: ما نسبة الأبحاث المرتبطة بالأولويات الوطنية؟ وكم تبلغ حصة هذه الأولويات من التمويل البحثي؟ وكم رسالة ماجستير وأطروحة دكتوراه تخدمها؟ وكم مشروعاً جذب تمويلاً خارجياً؟ وكم شراكة نشأت مع الصناعة؟ وكم براءة اختراع أو نموذج أولي أو شركة ناشئة خرجت منها؟ وكم نتيجة بحثية تحولت إلى سياسة أو خدمة أو منتج؟
وهذا يتفق مع الاتجاه العالمي في قياس أداء منظومات العلم والتكنولوجيا والابتكار. فالمؤشرات الدولية لم تعد تقف عند المنشورات العلمية، بل تتناول البحث والتطوير، ونقل التكنولوجيا، والملكية الفكرية، والتعاون بين الجامعات والصناعة، وريادة الأعمال والابتكار. وتوفر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وحدها أكثر من ألف مؤشر في مجالات العلم والتكنولوجيا والابتكار. وهنا يمكن للأردن أن يطور لوحة مؤشرات وطنية تربط كل دينار بحثي تقريباً بمساره ونتيجته وأثره.
ولعل إحدى أهم النتائج التي بدأت تتشكل حول هذه الأولويات أنها أصبحت مرجعاً مهماً يمكن لمؤسسات وصناديق التمويل المحلية البناء عليه عند توجيه برامجها ومشاريعها البحثية، كما توفر إطاراً واضحاً أمام المؤسسات والشركاء الدوليين الراغبين في تمويل مشاريع ترتبط باحتياجات الأردن الفعلية. وهناك اهتمام عربي بهذه التجربة ومنهجيتها بوصفها نموذجاً يمكن الإفادة منه وتكييفه؛ فلكل دولة أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويمكن استخدام المنهجية ذاتها للخروج بخريطة بحثية وطنية لكل دولة، ثم تحديد نقاط الالتقاء بينها لبناء برامج ومشاريع بحثية عربية مشتركة.
وهنا تكمن فرصة أكبر. فالمياه والأمن الغذائي والطاقة والصحة والذكاء الاصطناعي والتغير المناخي ليست تحديات أردنية منفردة، بل قضايا عربية مشتركة. وإذا استطاعت مجالس البحث العلمي والجامعات والصناديق التمويلية العربية تحويلها إلى برامج مشتركة ذات أهداف وتمويل ومؤشرات أداء محددة، فسيمكن الانتقال من مشاريع بحثية متفرقة ومتشابهة إلى قدرات بحثية عربية تتشارك البيانات والمختبرات والخبرات والتمويل، وتبحث عن حلول قابلة للتطبيق على نطاق أوسع.
لقد أنجز الأردن خطوة مهمة بتحديد أين ينبغي توجيه جزء معتبر من جهده البحثي خلال العقد المقبل، لكن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة ستظهر في التنفيذ. المطلوب أن تدخل الأولويات إلى المختبر، وقاعة الدراسات العليا، ومشروع التخرج، وموازنة البحث العلمي، وقرار التمويل، والشراكة مع الصناعة.
وعندما تستطيع جامعة أن تقول: استثمرنا هذا المبلغ في أولوية وطنية محددة، وشارك فيها هذا العدد من الباحثين والطلبة، واستقطبنا لها هذا التمويل، وأنتجنا منها هذه الحلول والبراءات والشركات والسياسات؛ عندها نكون قد انتقلنا فعلاً من عدّ الأبحاث إلى قياس أثرها.
فالجامعة التي تنتج المعرفة تؤدي رسالتها الأكاديمية، أما الجامعة التي تعرف أين توجه هذه المعرفة، وكيف تحولها إلى أثر اقتصادي واجتماعي قابل للقياس، فهي تشارك فعلياً في صناعة مستقبل الدولة.




