محمد طالب سلامه
على مسافة لا تتعدى 500 متر فقط من نافذة غرفتي في لواء سحاب، ترتفع أسوار "مدينة التجمعات الصناعية التنموية"، وتلوح في الأفق مداخن "مدينة الملك عبد الله الثاني الصناعية". هذا ليس مجرد مشهد بصري يومي، بل هو الواقع البيئي والصحي المعقد الذي أعيشه ويعيشه معي أكثر من 211 ألف نسمة يقطنون هذا اللواء بحسب إحصائيات عام 2026.
لقد تأسست هذه القلاع الصناعية في ثمانينيات القرن الماضي كبؤر معزولة لدعم الاقتصاد الوطني، ولكن مع غياب أحزمة الأمان العمرانية وسياسات العزل الصارمة، زحفت الأحياء السكنية المكتظة لتلتصق بأسوار المصانع والمستودعات ومناشير الحجر. والنتيجة؟ قنبلة موقوتة تتداخل فيها طموحات المستثمرين بأوجاع المواطنين اليومية.
التغير المناخي.. مضاعِف المعاناة
ما لا يدركه الكثيرون أن الأزمة البيئية في سحاب لم تعد تقتصر على الأدخنة والغبار؛ فخبراء المناخ يؤكدون أن التغير المناخي العالمي بات يعمل كـ "مضاعِف للمخاطر القائمة". إن تجمع الكتل الخرسانية الضخمة، والأسفلت، وعوادم أكثر من 75 ألف مركبة وشاحنة تدخل اللواء يومياً، ساهم في خلق ما يُعرف بـ "الجزر الحرارية الحضرية". هذه الظاهرة تجعل حرارة صيف سحاب أعلى بـ 3 إلى 5 درجات مئوية مقارنة بالمناطق المحيطة، حيث تمتص المباني الحرارة نهاراً وتطلقها ليلاً، بالتوازي مع موجات الجفاف التي تمنع الرياح من تشتيت الجسيمات الدقيقة العالقة (PM2.5)، لتظل محبوسة في الهواء الخانق الذي يتنفسه أطفالنا وكبار السن، مسببة ارتفاعاً قياسياً في أمراض الربو والجهاز التنفسي.
نموذج "الرور" الألماني.. هل نتعلم الدرس؟
في الوقت الذي تسجل فيه سحاب أعلى حجم استثمارات صناعية بالمملكة تجاوز 1.4 مليار دينار وصادرات تفوق 500 مليون دينار ترفد خزينة الدولة، تتركز الكلفة البيئية والصحية على كاهل المجتمع المحلي. إننا نعتمد حالياً على سياسة "رد الفعل" وتلقي الشكاوى وجولات التفتيش المتقطعة، بينما تخبرنا التجارب العالمية بنموذج مغاير تماماً. إقليم "الرور" الصناعي في ألمانيا، الذي عانى تاريخياً من نفس التداخل السكاني والصناعي الخانق، نجح في التحول إلى عاصمة بيئية خضراء بفضل "الاقتصاد الدائري"، وفرض تكنولوجيا "المصانع الخضراء"، ونقل الصناعات الشاقة إلى جغرافيا معزولة ومحمية قانونياً ضد الزحف العمراني.
المقترح الاستراتيجي: الموقر كمدينة صناعية تكنولوجية مثالية
من رحم التجربة الأردنية الناجحة في نقل جمرك عمان إلى منطقة الماضونة، ينطلق الحل الجذري والوحيد لأزمة سحاب. فلماذا لا تتبنى الحكومة الأردنية "خطة الإحلال الجغرافي المستدام" بنقل المصانع ذات الأحمال البيئية الثقيلة وقطاع مناشير الحجر بالكامل إلى الأراضي الصحراوية الشاسعة (المملوكة للدولة) في لواء الموقر المجاور؟
هذا المقترح لا يهدف إلى التضييق على المستثمرين، بل يقوم على "المقايضة العادلة" وحزمة منافع متبادلة:
1. المقايضة العقارية: تمنح الحكومة المستثمرين أراضٍ مجانية أو بإيجارات رمزية طويلة الأمد في الموقر، مجهزة ببنية تحتية ذكية وشبكات تصريف متطورة، دون فرض أي رسوم انتقال إضافية. بالمقابل، تسترد الدولة أراضي سحاب المستصلحة لتحويلها إلى مراكز تكنولوجية خفيفة، ومناطق تجارية، وحدائق بيئية ترفع القيمة السوقية للمدينة وتخدم سكانها.
2. شريان النقل الأخضر الترددي: لحماية حقوق العمال، يتم توفير منظومة نقل جماعي سريع وحافلات ترددية مريحة (Shuttle Buses) ممولة بالشراكة بين البلديات وإدارة المدن الصناعية، تنطلق من سحاب لتوصل العمال مباشرة إلى الموقر عبر شارع عمان التنموي (شارع المئة)، مما يمنع الازدحامات المرورية وعوادم السيارات الخاصة.
3. حصانة قانونية ضد الزحف: يتم إعلان محيط المدينة الجديدة في الموقر "منطقة عزل صناعي محمية"، يحظر فيها قانوناً ترخيص أي مبانٍ سكنية ضمن نصف قطر أمان لا يقل عن 5 كيلومترات، لنضمن عدم تكرار مأساة سحاب مجدداً.
4. تنظيم الطرق وحظر الشاحنات: منع دخول شاحنات الشحن الثقيلة إلى الطرق الداخلية السكنية في سحاب، وحصر حركتها بالكامل على المحاور الدولية السريعة.
دورنا كشباب.. نبض التغيير
إننا كشباب من أبناء لواء سحاب لن نقف مكتوفي الأيدي بانتظار الحلول الرسمية؛ دورنا يبدأ اليوم من خلال تفعيل "المواطنة البيئية الرقمية"واستخدام التطبيقات لرصد وتوثيق الانبعاثات والضوضاء، وقيادة حملات كسب التأييد والضغط المجتمعي لتفعيل "خطة المرونة الحضرية" بالتعاون مع بلدية سحاب ووزارة البيئة. كما سنقود مبادرات تشجير الأحياء والمنازل الملاصقة للأسوار (ضمن الـ 500 متر الحادة) كخط دفاع بيئي أول يحمي عائلاتنا.
لقد حان الوقت لتدرك الحكومة أن كلفة البقاء في الوضع الحالي صعبة جداً على صحة 211 ألف مواطن. نقل القطاع الصناعي الشاق للموقر وتحويل سحاب إلى منطقة لوجستية خضراء ونظيفة هو القرار الشجاع الذي يحتاجه الوطن الآن لتتحقق المنفعة المشتركة: اقتصاد يزدهر تكنولوجياً، ومجتمع يتنفس هواءً نقياً




