د . روان أبو زعنونة
مسيرة حافلة بالإنجاز والعطاء، تتجدد مع كل محطة قيادية شواهد الحكمة الهاشمية التي تستشرف المستقبل قبل أن تفرض تحدياته نفسها على العالم فحين ترأس جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم اجتماعاً رفيع المستوى للاطلاع على جهود الحكومة وخططها في مجال التمويل الأخضر والتمويل المناخي، بحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، إنما كان جلالته يرسم بثبات وثقة معالم مرحلة جديدة من مسيرة البناء الوطني الشامل، عنوانها الاستدامة، وأداتها التكامل بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وغايتها صون مقدرات الوطن للأجيال القادمة.
وقد أثبت جلالته، بما عُرف عنه من رؤية ثاقبة وحرص أصيل على مستقبل هذا الوطن، أن معالجة الملفات الكبرى لا تكون بالشعارات، بل بالتوجيهات الواضحة والخطط القابلة للتنفيذ؛ إذ وجّه جلالته الحكومة، خلال هذا اللقاء، إلى وضع استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة في مجال التمويل المناخي، بالتعاون والتنسيق الوثيق مع القطاع الخاص، بما يكفل توحيد الجهود الوطنية تحت مظلة واحدة، ويضع حداً لأي تشتت قد يعيق استثمار الأردن الأمثل للفرص المتاحة في هذا المجال الحيوي. كما أكد جلالته أهمية توفير برامج الدعم الفني اللازمة لتمكين القطاعين العام والخاص من الوصول الفعلي إلى مصادر التمويل المناخي الدولية، وضرورة تبني أدوات نوعية للحد من الانبعاثات الكربونية، تجسيداً لالتزام المملكة الراسخ بأفضل الممارسات البيئية العالمية.
وتأتي هذه التوجيهات السامية تتويجاً لمسار طويل من الإنجازات الملموسة التي حققتها المملكة الأردنية الهاشمية بفضل الرؤية الملكية الثاقبة، وعلى رأسها الالتزام المالي غير المسبوق الذي قدمه صندوق المناخ الأخضر، وهو أكبر صندوق مناخي متعدد الأطراف في العالم، لدعم مشروع تحلية المياه ونقلها بين العقبة وعمّان ضمن مشروع الناقل الوطني، بما يجعله أكبر استثمار منفرد يقدمه الصندوق لمشروع واحد في تاريخه، في شهادة عالمية بالغة الدلالة على متانة الثقة الدولية بالإدارة الأردنية الرشيدة لملفاتها التنموية الكبرى. ولم تقف مسيرة الإنجاز عند هذا الحد، بل توّجت باختيار المملكة مقراً إقليمياً لمكتب صندوق المناخ الأخضر، وهو استحقاق يعزز موقع الأردن مركزاً إقليمياً رائداً لجذب الاستثمار في الزراعة المستدامة والطاقة المتجددة، ومنصة فاعلة لإشراك القطاع الخاص والشباب الأردني في ابتكار الحلول المناخية.
إن هذه المحطة الجديدة ليست إلا حلقة في سلسلة متصلة من العطاء الهاشمي الذي جعل من الاستدامة ركيزة أصيلة في رؤية جلالة الملك للتحديث الاقتصادي الشامل، إدراكاً منه المبكر لحجم التحدي المناخي قبل أن يتصدر أولويات العالم أجمع. وهي رؤية جعلت من الأردن، رغم محدودية موارده الطبيعية والتحديات الإقليمية المحيطة به، نموذجاً يُستشهد به دولياً في القدرة على تحويل التحديات إلى فرص، وفي صناعة مكانة متقدمة على خارطة العمل المناخي العالمي.
وإذ يواصل جلالة الملك عبدالله الثاني، وبحضور سمو ولي العهد الذي يجسّد استمرارية هذا النهج القيادي الرشيد عبر الأجيال، متابعته الحثيثة لهذا الملف الاستراتيجي، فإن الأردن يمضي بخطى واثقة نحو مستقبل تتكامل فيه التنمية الاقتصادية مع صون البيئة، تحت راية قيادة هاشمية حكيمة تضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار، وتصنع من كل تحدٍّ فرصة جديدة لرفعة الأردن ومكانته بين الأمم.



