القلعة نيوز:
في الوقت الذي قد يدفع فيه الفقد بعض الأشخاص إلى الانغلاق على ذواتهم، اختارت سلسبيل نعيم الحوراني طريقًا آخر طريقًا لم يكن واضح المعالم في بدايته، لكنه قادها لاحقًا إلى الكتابة، والعمل المجتمعي، والمحاضرات، والمبادرات، والظهور الإعلامي.
تعود البدايات إلى طفولة حملت فيها الحوراني تجربة فقد والدها، تاركةً في داخلها فراغًا لم يكن من السهل التعبير عنه عاشت فترة من الانعزال وكتمان المشاعر، ووجدت نفسها امام أحاسيس اكبر من قدرتها آنذاك على شرحها او مشاركتها مع الآخرين.
ومع مرور السنوات، بدأت الكتابة تأخذ مكانًا مختلفًا في حياتها. لم تعد الكلمات مجرد وسيلة للتعبير، بل اصبحت مساحة آمنة تضع فيها ما لا تستطيع قوله بصوتٍ مرتفع.
ومن هنا بدأت ملامح الحكاية تتغير ما كان في البداية المًا شخصيًا، تحوّل إلى نصوص، ثم إلى مشاركات ادبية، ثم إلى حضور ثقافي ومجتمعي آخذ في الاتساع واصبحت الحوراني تقدم نفسها كاتبة ومحاضِرة، إلى جانب مشاركتها في العمل التطوعي وعضويتها في مبادرات عدة ، حيث شاركت في تنظيم ومتابعة أنشطة وورش تهتم بالوعي والمشاعر والتعامل مع الأزمات وقضايا الإنسان والمجتمع.
ولا تقتصر تجربتها على الكتابة الفردية، إذ ارتبط اسمها بعدد من الكتب والأعمال الأدبية، من بينها «نسمة أمل»، «نسمات عابرة»، «مؤمن أيامي»،
«دلال الأب والم فقدانه»،
«افتح لترى ما بداخلي»،
«تحت ظل القمر»، «حين خانني ظلي»، «أوتار لا تنكسر»، «الآيار»،
«مدينة بلا خرائط»، «مذكرات الليلة الأخيرة»،
«رسائل لم تصل»، «خلف الجدار الأخير»، و«أرض لن تنحني ».
وتكشف هذه المشاركات عن رحلة ادبية تنظر إلى الكتابة باعتبارها اكثر من مجرد كلمات على الورق؛ فهي بالنسبة إلى الحوراني وسيلة لاكتشاف الذات، وترجمة التجربة الإنسانية، والوصول إلى قارئ قد يجد في سطورها جزءًا من حكايته الخاصة.
ومع انتقالها من الكتابة إلى المجال المجتمعي، اتسعت دائرة التأثير. فقد اصبحت مشاركتها في الورش والمبادرات امتدادًا طبيعيًا للفكرة التي بدأت معها ان التجربة الإنسانية، مهما كانت قاسية، يمكن ان تتحول إلى معرفة ورسالة ومساحة يستفيد منها الآخرون.
وفي مسار آخر من رحلتها، وصلت تجربتها إلى الإعلام من خلال ظهورها في الإذاعة الأردنية، لتنتقل قصتها من صفحات تكتبها لنفسها إلى مساحة يسمعها فيها جمهور أوسع.
ولا تنظر الحوراني إلى الإنجاز باعتباره عددًا من المشاركات او الأعمال فقط، بل كرحلة متدرجة بدأت من الداخل. رحلة انتقلت فيها من محاولة فهم الألم إلى محاولة تحويله إلى شيء نافع، ومن البحث عن مساحة للتعبير إلى صناعة مساحة للآخرين أيضًا.
وهنا تكمن خصوصية قصتها؛ فهي لا تقدم النجاح باعتباره طريقًا خاليًا من الخسارات، بل باعتباره قدرة على الاستمرار رغمها.
فالفقد الذي ترك أثره في طفولتها اصبح احد أبواب الكتابة، والكتابة فتحت لها أبواب المشاركة، والمشاركة قادتها إلى المبادرات والمحاضرات والعمل المجتمعي، حتى اصبح للأثر الذي بدأ بكلمات شخصية حضور يتجاوز حدود تجربتها.
وفي زمن تتعدد فيه قصص النجاح، تأتي تجربة سلسبيل الحوراني من زاوية مختلفة؛ زاوية ترى ان الإنسان لا يحتاج إلى محو ماضيه حتى يصنع مستقبله، بل يستطيع ان ينظر إلى تجربته بعين جديدة، ويحوّل ما مرّ به إلى دافع للتعلم والعطاء.
من طفلة عرفت معنى الفقد مبكرًا، إلى كاتبة ومحاضِرة وناشطة في المبادرات المجتمعية، تواصل الحوراني بناء تجربتها خطوةً بعد اخرى، حاملةً معها قناعة بأن بعض الآلام لا تنتهي بمجرد تجاوزها، وإنما يمكن ان تتحول إلى بداية لشيء جديد.
فأحيانًا لا يكون الأثر الذي نصنعه منفصلًا عن اكثر لحظات حياتنا المًا بل يكون وُلد منها.
الكاتبة: سلسبيل نعيم الحوراني




