حين نحمي العامل ونُضعف المنشأة.. ماذا يحدث للمدارس الخاصة؟
القلعة نيوز -
ما تقوم به بعض الجهات الحكومية، وفي مقدمتها وزارة العمل ووزارة التربية والتعليم، تجاه المدارس الخاصة يحتاج إلى مراجعة هادئة وعميقة؛ ليس دفاعًا عن أصحاب المدارس على حساب المعلمين والموظفين، وإنما دفاعًا عن معادلة أساسية: لا يمكن حماية العامل إذا أصبحت المنشأة التي يعمل فيها عاجزة عن الاستمرار.
هناك مجموعة من الإجراءات والتشريعات التي تراكمت على المدارس الخاصة، وأصبحت تشكل، بحسب ما يقوله أصحاب هذه المنشآت، ضغطًا متزايدًا على قدرتها المالية والإدارية.
أولًا: منظومة العقود الإلكترونية
إلزام المدارس الخاصة بالانضمام إلى منظومة العقود الإلكترونية لدى نقابة العاملين في القطاع الخاص يثير عدة أسئلة تستحق الإجابة.
فمن جهة هناك كلفة مالية، ولو كانت محدودة، تتمثل في دفع دينارين عن كل موظف.
ومن جهة أخرى، هناك سؤال أكبر يتعلق بالبيانات: لماذا تُنقل معلومات الموظفين ورواتبهم وأرقام هواتفهم إلى طرف ثالث؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية هذه البيانات، وما هي الضمانات الموجودة لمنع استخدامها أو تسريبها؟
وهذا السؤال يصبح أكثر أهمية إذا كانت هناك، كما يُقال، سوابق لتسريب بيانات تخص المدارس والمعلمين والطلاب، وقضايا منظورة أمام الجهات المختصة بشأن ذلك.
كما أن وجود شبهات أو تحقيقات بحق مسؤولين سابقين في أي جهة لا يعني إدانة أحد، لكنه يجعل الحوكمة والشفافية وحماية البيانات أمورًا تستحق المزيد من التدقيق، لا التجاهل.
ثم هناك مسألة تحديد بداية ونهاية ثابتتين للعقود.
المدرسة الخاصة، مثل أي مؤسسة، تتعامل مع حركة طبيعية في موظفيها: استقالة، انتقال، سفر، وفاة، إجازة، ولادة، أو استبدال موظف بآخر. ولذلك فإن أي نظام للعقود ينبغي أن يكون قادرًا على التعامل مع هذه الحالات بمرونة، خصوصًا في قطاع يرتبط بجدول دراسي محدد.
ثانيًا: الزيادة السنوية على الأجور
إقرار زيادة سنوية بنسبة 5% من إجمالي الأجر يهدف، من حيث المبدأ، إلى تحسين دخل العامل وحمايته من تآكل الأجر.
لكن السؤال الاقتصادي هو: هل يمكن فرض الزيادة بالطريقة نفسها على جميع المنشآت، بغض النظر عن حجمها وإيراداتها وقدرتها على تحمل الكلفة؟
فإذا كان راتب المعلم ألف دينار، فإن الزيادة السنوية وحدها تعني 50 دينارًا، قبل احتساب ما يترتب عليها من زيادات في اشتراكات الضمان الاجتماعي وغيرها من الكلف المرتبطة بالأجر.
وهنا تظهر نتيجة غير مقصودة ينبغي عدم تجاهلها.
قد تجد بعض المدارس نفسها أمام خيارين: تحمل الكلفة المتزايدة، أو إعادة هيكلة العمالة واستبدال بعض الموظفين القدامى بموظفين جدد.
وبذلك يمكن أن تتحول حماية العامل، إذا لم تُدرس آثارها الاقتصادية جيدًا، إلى عامل يدفع بعض أصحاب العمل إلى التخلص من العمالة الأكثر كلفة والأطول خدمة.
وهذا سؤال يستحق أن يُطرح: هل هذه هي النتيجة التي نريدها؟
ثالثًا: حماية إيرادات المنشأة
العلاقة بين العامل وصاحب العمل ليست علاقة من طرف واحد.
كما أن للعامل حقوقًا يجب حمايتها، فإن للمنشأة حقًا في الحصول على إيراداتها من الخدمات التي قدمتها.
وأي تغيير في أدوات تحصيل الديون أو التنفيذ على المدينين يحتاج إلى بدائل فعالة تضمن عدم تحول الامتناع عن الدفع إلى وسيلة سهلة للإضرار بالمنشآت.
فالمدرسة لديها رواتب، وضمان اجتماعي، وضرائب، وإيجارات، وكهرباء، ومصاريف تشغيل، والتزامات تجاه الموردين.
وعندما تتراجع الإيرادات أو تتأخر المستحقات، فإن الأزمة لا تقع على صاحب المدرسة وحده؛ بل تمتد مباشرة إلى المعلم والموظف الذي ينتظر راتبه في نهاية الشهر.
رابعًا: الحضانة وبدل الحضانة
أما الالتزامات المتعلقة بالحضانة أو بدل الحضانة، فهي قضية اجتماعية مهمة، ومن حق المرأة العاملة أن تجد بيئة عمل تساعدها على الاستمرار في عملها.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: هل صُمم الالتزام بطريقة تراعي قدرة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على تحمله؟
إذا ترتب على المنشأة بدل يصل إلى 50 دينارًا عن الطفل، فإن الموظفة التي لديها ثلاثة أطفال قد تعني كلفة تصل إلى 150 دينارًا شهريًا، وفق شروط الاستحقاق المطبقة.
وإذا تراكمت هذه الالتزامات مع الزيادات السنوية على الأجور والضمان والضرائب وبقية المصاريف، فقد تصبح بعض الوظائف غير قابلة للاستمرار اقتصاديًا بالنسبة للمنشأة.
والنتيجة التي يجب أن ننتبه إليها هي احتمال أن تتحول ميزة أُقرت لمساعدة المرأة العاملة إلى سبب غير مباشر للاستغناء عن بعض النساء العاملات.
وهنا يجب أن نسأل بصدق: هل استفاد الموظف فعلًا من القرار إذا كانت النتيجة النهائية فقدان وظيفته؟
وهل جرى عند تصميم هذه السياسات النظر إلى الفروق بين القطاع العام والقطاع الخاص، وإلى طبيعة العلاوات والمزايا التي يحصل عليها الموظف الحكومي مقارنة بما تتحمله المنشأة الخاصة؟
خامسًا: إلى أين نحن ذاهبون؟ المشكلة ليست في حماية العامل.
وليست في تحسين الأجور.وليست في توفير الحضانة.وليست في تنظيم العقود.وليست في حماية حقوق الدولة أو العامل.
كل هذه أهداف مشروعة. لكن المشكلة تبدأ عندما تُضاف الالتزامات إلى المنشأة دون أن تُدرس قدرتها على تحمل مجموع هذه الالتزامات في الوقت نفسه.
فالمدرسة الخاصة ليست صندوقًا مفتوحًا. لديها إيرادات محددة، ونفقات محددة، وموسم عمل، ومنافسة، وطلاب وأهالٍ، ورواتب، وضمان، وضرائب، وإيجارات، وطاقة، ومصاريف تشغيل، والتزامات متزايدة. وإذا تجاوزت الكلفة قدرة المنشأة على توليد الإيرادات، فإن النتيجة الاقتصادية الطبيعية هي التعثر.
وعندما تتعثر المنشأة، فإن المتضرر ليس صاحبها وحده. المعلم يتضرر، والموظف يتضرر، والطالب يتضرر، والدولة تتضرر من انخفاض النشاط الاقتصادي والإيرادات الضريبية والضمان الاجتماعي.
ولذلك فإن السؤال الذي نحتاج إلى طرحه ليس: كيف نحمي العامل من صاحب العمل؟ بل: كيف نبني منظومة تحمي العامل، وتحمي في الوقت نفسه استدامة المنشأة التي توفر له العمل؟
نحن بحاجة إلى سياسة تنظر إلى الصورة كاملة، لا إلى كل حق بمعزل عن الحقوق والالتزامات الأخرى.
فليس المطلوب أن نختار بين العامل وصاحب العمل.
المطلوب أن تبقى المنشأة قادرة على العمل، والعامل قادرًا على العمل فيها، والدولة قادرة على تحصيل حقوقها، والمواطن قادرًا على دفع كلفة التعليم.
أما أن نضيف التزامًا بعد آخر، ثم نكتشف بعد سنوات أن عددًا من المنشآت لم يعد قادرًا على الاستمرار، وأن بعضها بدأ يبحث عن مشترٍ أو يفكر في الإغلاق.
فحينها لن يكون السؤال: من كان على حق؟ بل سيكون السؤال الأهم:أ ين أخطأنا في تصميم المنظومة؟
وهنا يقع على عاتق متخذ القرار في الحكومة مسؤولية مباشرة فيما آلت إليه أوضاع العاملين والمنشآت، ومن حيث يدري ولا يدري كان سببا فيما يحدث اليوم .
إبراهيم أبو حويله...




