*أخطر احتلال... احتلال الوعي*
*حين يبيع القلم نفسه ويؤجر اللسان للسلطان... الصحافة الحرة تكشف الجرح وصحافة العبيد ترش عليه الملح وتسميه دواء*
*المقدمة: الاحتلال الذي لا تراه العين*
هناك احتلال بالدبابة... واحتلال بالاقتصاد... واحتلال بالحدود...
ولكن هناك احتلال أخطر من كل هذا... احتلال لا يحتاج جيشاً ولا طائرة... احتلال يدخل بيتك بلا استئذان... يسكن هاتفك وعقلك وقلبك...
إنه *احتلال الوعي.*
القلعة نيوز -
أن تُحتل الأرض... يمكنك أن تقاوم وتحررها...
أما أن يُحتل وعيك... فستدافع أنت بنفسك عن مُحتلِك... وستصفق لجلادك... وستسمي جرحك عافية.
وسؤالي الكبير اليوم: *كيف يُحتل الوعي؟*
*أولاً: أدوات احتلال الوعي... القلم المأجور واللسان المستأجر*
الوعي لا يُحتل إلا بأبناء جلدته...
*1. قلم باع نفسه...*
أخطر ما في الإعلام ليس الإعلامي الجاهل... بل الإعلامي الذي يعرف الحقيقة ويبيعها.
قلم كان يفترض أن يكون سيفاً للحق... فأصبح للبيع في سوق النخاسة...
قلم يقبض ثمن مقاله... ليس من تعب فكره... بل من ثمن سكوته... أو من ثمن كذبه.
يكتب ما يملى عليه... يمدح من يدفع له... ويهاجم من يختلف مع سيده... ويظن الناس أنه صحفي... وهو مجرد *موظف علاقات عامة بلباس صحفي.*
هذا القلم هو أول مسمار في نعش الوعي.
*2. لسان استأجره السلطان...*
وليس السلطان هنا هو الحاكم فقط... السلطان هو كل صاحب نفوذ... صاحب شركة... صاحب بنك... صاحب حزب... صاحب مصلحة...
لسان استأجره السلطان ليكون ناطقاً باسمه... لا ناطقاً باسم الناس.
تراه في الشاشة... صوته عالٍ... كلماته منمقة... لكنه لا يتكلم بوجع المواطن... بل يتكلم بوجع راتبه...
*الإعلامي الذي يخاف على راتبه أكثر من الوطن... هو أول إنسان ينعى الوطن ويسميه خبراً عاجلاً.*
هو يرى الفساد... ويسكت خوفاً على الراتب.
يرى الشارع محفر... ويسكت خوفاً على الراتب.
يرى الفاليه يحتل الشارع... ويسكت خوفاً على الراتب.
يرى المناهل مسدودة... ويسكت خوفاً على الراتب.
في النهاية... هو لا يحمي راتبه... هو يبيع وطنه براتبه... وراتبه سيذهب... ويبقى عار بيعه لوطنه.
*هذا هو الاحتلال الحقيقي للوعي... حين يصبح الإعلامي حارساً للفساد... لا كاشفاً له.*
*ثانياً: نوعان من الصحافة... فاختر أين أنت*
في زمن احتلال الوعي... انقسمت الصحافة إلى نوعين لا ثالث لهما... كما قلت يا دكتور بكل بلاغة:
*1. الصحافة الحرة... التي تكشف الجروح:*
الصحافة الحرة هي الصحافة التي تضع يدها على الجرح وتقول: هنا الجرح.
تقول: هنا شارع محفر... هنا منهل مسدود... هنا نفايات متراكمة... هنا فاليه يبتز الناس... هنا مسؤول فاسد... هنا قرار خاطئ...
هي تؤلم... نعم... لأن كشف الجرح مؤلم... لكنها تؤلم لتعالج.
الصحافة الحرة لا تكره الوطن حين تنتقده... بل تحب الوطن... لذلك تريد أن يكون نظيفاً بلا جروح.
كما قال الشاعر: *الصديق من صدقك لا من صدّقك.*
الصحافة الحرة هي صديق الوطن الصادق... تقول له: انتبه... هناك خطر.
*2. وصحافة العبيد... التي ترش على الجروح ملحاً وتسميه دواء العافية:*
وهذه هي صحافة احتلال الوعي...
ترى الجرح ينزف... فتأتي بملح الكذب والتطبيل والتزوير... وترشه على الجرح... والمواطن يصرخ من الألم... وهي تقول له: *هذا دواء العافية... هذا إنجاز... هذه مسيرة... احمد الله واشكره... أنت بألف خير.*
ترى الشارع يغرق كل شتاء... فتكتب: جهود جبارة للأمانة في تصريف المياه.
ترى النفايات تملأ الحاويات... فتكتب: حملة نظافة غير مسبوقة.
ترى المواطن يدفع مسقفات ونفايات وكاميرات جباية بلا خدمة... فتكتب: المواطن شريك في التنمية.
هذه ليست صحافة... هذه *تخدير للوعي...* هذه من تسمي المخدر دواء... حتى يموت المريض وهو يظن أنه يتعافى.
صحافة العبيد لا تكشف الجرح... بل تجمّله... وتخفيه... وتقول للناس: لا يوجد جرح أصلاً... أنتم تتوهمون.
*وهنا يُحتل الوعي تماماً... حين يصدق المواطن أن الملح هو الدواء.*
*ثالثاً: العلاج... كيف نحرر وعينا المحتل؟*
تحرير الوعي أصعب من تحرير الأرض... لكنه ليس مستحيلاً... وعلاجه بيدنا:
*1. لا تصدق كل ما تراه... اسأل: من المستفيد؟*
حين تسمع إعلامياً يطبل ليل نهار... اسأل نفسك: من يدفع راتبه؟ من يمول مؤسسته؟ من هو سلطانه؟ إذا عرفت من هو سلطانه... عرفت لماذا يرش الملح على جرحك.
*2. اتبع القلم الحر... ولو كان وحيداً:*
القلم الحر قد يكون وحيداً... فقيراً... لا يملك كاميرا ولا استديو... لكنه يملك شيئاً لا يملكه جيش العبيد... يملك *ضميراً حياً.*
ادعم الصحفي الحر... اقرأ له... انشر له... احمِه... لأنه يحمي وعيك... هو الذي يكشف الجرح لتعالجه... قبل أن يتعفن.
*3. كن أنت الإعلام...*
اليوم كل مواطن يملك هاتفاً... هو صحفي... هو كاميرا... هو قلم...
صور الحفرة... صور المنهل المسدود... صور الفاليه الذي يبتزك... صور الحاوية الممتلئة... وانشرها... لا تنتظر صحافة العبيد أن تنشرها... أنت حرر وعي جارك... وحرر وعي حيك.
*4. إلى الإعلامي نفسه... رسالة أخيرة:*
يا زميلي الإعلامي...
راتبك سيذهب... ومنصبك سيذهب... والسلطان الذي استأجر لسانك سيذهب... وسيبقى شيء واحد...
*هل كنت قلماً حراً كشف الجرح... أم كنت عبداً رش الملح على جرح وطنك وسماه دواء؟*
التاريخ لا يرحم... والناس لا تنسى... والله يسمع ويرى.
*الخاتمة: نداء التحرير*
يا أهلنا...
احتلال الأرض يبدأ باحتلال الوعي... وتحرير الأرض يبدأ بتحرير الوعي.
لا تسمحوا لقلم باع نفسه أن يكتب تاريخكم...
ولا تسمحوا للسان استأجره السلطان أن يكون صوتكم...
كونوا أحراراً في وعيكم... لتكونوا أحراراً في أوطانكم...
*الصحافة الحرة ليست تهمة... هي شرف...*
*وكشف الجرح ليس خيانة... هو أول خطوة للشفاء...*
*أما رش الملح على الجرح وتسميته دواء العافية... فتلك هي الخيانة بعينها... وهي الاحتلال بعينه.*
*حفظ الله الأردن... حراً... واعياً... لا يحتل وعيه قلم مأجور ولا لسان مستأجر... وحفظ الله كل قلم حر شريف... يكشف الجرح ليعالجه... لا ليتاجر به.*
*والله من وراء القصد*
*أخوكم: الدكتور علي الفريحات*
All reactions:




