محمد زهير الكساسبة
قد يبدو تجديد تعيين محافظ للبنك المركزي خبرًا اقتصاديًا يخص المؤسسات والأسواق أكثر مما يخص المواطن. لكن خلف هذا المنصب ملفات تصل آثارها إلى تفاصيل يومية يعرفها الأردني جيدًا: قيمة الدينار الذي يتقاضى به راتبه، والأسعار التي يدفعها، والفائدة على قرضه، وقدرة الشركات على الصمود والحصول على التمويل.
من هذه الزاوية، فإن تجديد تعيين الدكتور عادل الشركس محافظًا للبنك المركزي الأردني لخمس سنوات جديدة لا يطرح سؤالًا عن شخص المحافظ وحده، وإنما عن السياسة النقدية التي سيديرها البنك في مرحلة معقدة.
الولاية الأولى أغلقت ملفاتها على أرقام لافتة: احتياطيات أجنبية وصلت إلى مستوى تاريخي عند نحو 28.38 مليار دولار في آب 2026، مقارنة بنحو 18 مليارًا في نهاية 2021، ومعدل تضخم بلغ 2.2 في المئة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، إلى جانب خروج الأردن في تشرين الأول 2023 من «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF).
تعطي هذه المؤشرات صورة عن متانة الوضع النقدي، لكنها لا تُقرأ بمعزل عن عوامل اقتصادية داخلية وخارجية عديدة. وفي صلب مسؤولية البنك المركزي تبقى حماية الاستقرار النقدي، والمحافظة على استقرار سعر صرف الدينار، وسلامة الجهاز المصرفي وقدرته على مواجهة الصدمات.
لكن للاستقرار النقدي كلفة يشعر بها السوق والمواطن، وفي مقدمتها كلفة الاقتراض.
سعر الفائدة الرئيسي للبنك المركزي يبلغ حاليًا 5.75 في المئة، بعد سلسلة تخفيضات بدأت في أيلول 2024. ومع ارتباط الدينار بالدولار، لا يتحرك المركزي في ملف الفائدة بمعزل عن اتجاهات السياسة النقدية الخارجية، إلى جانب اعتبارات الحفاظ على الاستقرار النقدي وجاذبية الأصول المقومة بالدينار.
وفي المقابل، تبقى كلفة التمويل عاملاً مؤثرًا في المقترضين والشركات والاستثمار. وهنا تظهر واحدة من أهم معادلات الولاية الجديدة: إلى أي مدى يمكن، كلما سمحت الظروف النقدية والاقتصادية، أن تتراجع كلفة التمويل بما يدعم النشاط الاقتصادي، من دون تعريض استقرار الدينار والمنظومة النقدية للمخاطر؟
المعادلة لا تتوقف عند أسعار الفائدة. ففي ملف التمويل الميسر، يتيح البنك المركزي نحو 1.4 مليار دينار ضمن برامجه الموجهة للقطاعات الاقتصادية المستهدفة، بما يعادل نحو 5 في المئة من إجمالي التسهيلات المباشرة الممنوحة من البنوك.
لكن المحك في السنوات المقبلة لن يكون في حجم الأموال المتاحة وحده، وإنما في أثرها: إلى أي مدى تصل إلى الشركات والمنشآت المستهدفة؟ وهل تنعكس على قدرتها على التوسع والإنتاج وخلق فرص العمل؟
وامتد مسار التطوير إلى الاشتمال المالي، عبر الاستراتيجية الوطنية للأعوام 2023-2028 التي تستهدف رفع نسبة امتلاك البالغين للحسابات المالية إلى 65 في المئة، وتقليص الفجوة بين الجنسين في الوصول إلى الخدمات المالية.
وفي الوقت نفسه، توسع البنك في ملفات التكنولوجيا المالية والتقنيات الناشئة، من خلال أدوات من بينها البيئة المسرّعة للمختبر التنظيمي «Express JoRegBox»، إلى جانب التعامل مع ملفات جديدة مثل ترميز الأصول والمالية المفتوحة والأصول الرقمية.
لكن قيمة هذه التحولات لن تقاس بعدد التطبيقات أو الحسابات وحدها، وإنما بقدرتها على تسهيل الوصول إلى الخدمات المالية، وخفض كلفتها، وفتح أدوات جديدة أمام الأفراد والمنشآت للادخار والتمويل والاستثمار.
والبنك المركزي ليس مسؤولًا بمفرده عن النمو أو التشغيل، ولا ينبغي تحميله ما يقع ضمن اختصاص السياسات المالية والاقتصادية للدولة. لكنه يملك أدوات تؤثر بصورة مباشرة في البيئة التمويلية التي يعمل داخلها الاقتصاد.
لهذا، سيكون من المبكر التعامل مع الولاية الجديدة باعتبارها امتدادًا تلقائيًا لما سبق. التحديات تتبدل، والتكنولوجيا تعيد تشكيل القطاع المالي، فيما يبقى السؤال بالنسبة إلى المواطن والمستثمر أكثر بساطة: ماذا ستعني هذه السياسات لأمواله وكلفة تمويله وقدرته على الاستثمار؟
تجديد تعيين الشركس يمنح السياسة النقدية قدرًا من الاستمرارية في ظرف إقليمي واقتصادي استثنائي، لكنه يفتح في الوقت نفسه خمس سنوات جديدة يمكن قياسها بوضوح: استقرار الدينار والأسعار، مستوى الاحتياطيات، اتجاه كلفة التمويل، وصول الائتمان إلى القطاعات المنتجة، وما يتحقق فعليًا من أهداف الاشتمال المالي والتطوير التكنولوجي.
المعادلة في النهاية دقيقة: الحفاظ على الصلابة النقدية والمالية، مع البحث عن مساحة أكبر يستطيع فيها القطاع المالي خدمة الاقتصاد المنتج والمواطن، من دون المساس بسلامة المنظومة المصرفية.
وبعد خمس سنوات، ستكون الأرقام والأثر الذي شعر به الناس والاقتصاد هي الحكم.




