من "معان"؛ بوابة التاريخ، وعاصمة البدايات الأردنية، وحيث تضرب جذور الأصالة والولاء عميقاً في وجدان الوطن، تجسّدت لوحةٌ وطنيةٌ فريدة عنوانها التلاحم والوفاء. في هذا السياق الذي يؤكد من جديد أن العشائر الأردنية كانت وما زالت الحصن المنيع والسند الأقوى للدولة ومواقفها العروبية الثابتة؛
استضاف ديوان أبناء المرحوم الشيخ إبراهيم فالح الرواد في محافظة معان، لقاءً وطنياً حاشداً ومأدبة غداء تكريماً لمعالي الدكتور عوض خليفات، وذلك ضمن سلسلة المبادرات الوطنية الفكرية والمجتمعية التي يقودها معاليه لتعزيز وحدة الصف وتمتين الجبهة الداخلية ، وحضر اللقاء جمع غفير ضم عدداً من أصحاب المعالي والعطوفة، ونخبة من السياسيين، وشيوخ ووجهاء العشائر الأردنية.
وفي مستهل اللقاء، رحب أبناء المرحوم الشيخ إبراهيم فالح الرواد بضيفهم الكبير معالي الدكتور عوض خليفات، وبالحضور الكريم من أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة وشيوخ ووجهاء العشائر. وأكد المضيفون أن معان، كما كانت على عهدها دائماً، تشرّع أبوابها ومجالسها لاستقبال قامات الوطن وهاماته، معبرين عن عظيم فخرهم واعتزازهم بتلبية هذه الدعوة التي تجسد أسمى معاني الأخوة، وتعكس أصالة الأردنيين وكرم ضيافتهم وترابطهم كالجسد الواحد.
وبدأ الدكتور عوض خليفات حديثه :
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العربي الهاشمي الأمين، ومن والاه، وعلى أصحابه أجمعين.
بداية، أتوجه بالشكر الجزيل باسم الحضور الكريم، وباسم الضيوف الأعزاء النبلاء الذين جاءوا من كل أصقاع محافظاتنا الوطنية الأردنية الهاشمية إلى هذا البيت الكريم، بيت الأجودي هو ومن معه. أتينا اليوم بدعوة من الشيخ خالد الرواد وإخوانه وعشيرة الرواد، وهي عشيرة كريمة نبيلة عزيزة طيبة مباركة كبقية عشائر معان، وكبقية عشائر الأردن في مختلف الأصقاع ومن مختلف المنابت والأصول، ومن مختلف التوجهات والأفكار والآراء.
عشيرة الرواد عشيرة معروفة ومقدرة، وهي من عشائر معان القديمة التي مضى على وجودها في هذه المدينة مئات السنين، وقد أسهمت مع بقية العشائر المعانية في بناء هذه المدينة من جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وكان لهم دور بارز حتى من أيام العصر العثماني، فقد كان المرحوم الشيخ إبراهيم علي الرواد رابع رئيس بلدية في العهد العثماني واستمر إلى العهد الهاشمي، فجمع بين العهدين العثماني والهاشمي. وبقيت له مكانته الرفيعة والأصيلة واحترامه وتقديره عند كل أبناء عشائر معان، حتى أنه كان قد مثل لواء معان في مجلس الميثاق الوطني عام 1928.
لقد ساهموا أيضاً مساهمة فعالة ومقدرة في الثورة العربية الكبرى مع بقية محافظات الجنوب، وكان لهم دور بارز في معركة الطفيلة أو "حد الدقيق" التي كانت المعركة الفاصلة في الوجود العثماني في منطقة بلاد الشام، والتي زحف بعدها ثوار الثورة العربية الكبرى حتى وصلوا إلى دمشق.
نحن اليوم في معان؛ معان لها من اسمها نصيب، معان التي تُعين، معان كانت مركزاً لإعانة المحتاج منذ أيام الدولة المعينية قبل الإسلام بآلاف السنين، وبقيت كذلك إلى الآن. معان المروءة، معان الشهامة، معان الكرامة، معان السبيل، معان العز، معان إغاثة الملهوف وإجارة المستجير. ومعان هي نقطة البدايات في كيان هذه الدولة، فيها نشأت بدايات الدولة، وفيها نشأ الجيش العربي، وفيها نشأت الهوية الوطنية الأردنية في بداياتها الأولى بوجهها العربي. وظل الأردن أردنياً عربياً حتى هذه اللحظة، والشعب الأردني من أكثر الشعوب العربية تكاتفاً مع إخوانه العرب، وتأثراً بما يجري في البلاد العربية. فالأردن هو البلد العربي الوحيد الذي يستضيف كل أبناء العروبة المشردين من أوطانهم نتيجة الاستبداد والظلم والتآمر والفساد.
وعندما نمدح معان، لا نقلل من قيمة محافظاتنا ومناطقنا الجغرافية الأخرى، فكل جغرافيا أردنية وكل محافظة وكل مدينة وكل قبيلة وعشيرة أردنية لها تاريخ مجيد. وهذه الفترة هي التي يجب أن نستنهض فيها الهمم ونستدعي أمجادنا القديمة حتى تكون حافزاً لنا لمكافحة العدو الصهيوني الذي يعيث فساداً في فلسطين وفي مقدساتنا الإسلامية والمسيحية.
ومن هنا، فمبادرتنا هذه التي بدأت قبل ثلاث سنوات ونصف تقريباً ترتكز على أربع نقاط:
وطن أردني حر كريم مقدس ومبارك.
وشعب أردني صاحب مروءة وشهامة وكرامة وشجاعة وفروسية.
وقيادة هاشمية سمحة متوازنة حكيمة معتدلة.
وأما الرابع فهو أن القضية الفلسطينية هي قضيتنا المركزية وستبقى ما دام على أديم الأرض إنسان.
نستنكر جميعاً، وسنعمل جاهدين بإذن الله على مساعدة إخواننا الفلسطينيين على تحرير أرضهم وبناء دولتهم على ترابهم الوطني الفلسطيني، وعلى وضع حد للانتهاكات الصهيونية والإبادة الجماعية والتمييز العنصري الذي تقوم به هذه الدولة المارقة التي لا مثيل لها في تاريخنا الحديث.
وبهذه المناسبة، أستذكر قولاً للمغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله: "الأردن لأهله، أما الدولة الفلسطينية فيجب أن تقام على الأرض الفلسطينية وعلى التراب الفلسطيني، وأن يعود الحق الفلسطيني لأصحابه الفلسطينيين". وأيضاً قوله رحمه الله: "أيها الأردنيون، إذا اختلفتم لا تتفرقوا، وإذا اشتدت بكم الأزمات فاصبروا وصابروا ولا تنكسروا". وبإذن الله لن ننكسر بوحدتنا وبوقوفنا صفاً واحداً وبزرع بذور المحبة فيما بيننا، فنحن كلنا أردنيون من أجل الأردن، وكلنا فلسطينيون من أجل فلسطين.
وأخيراً أختم حديثي بقول للثائر الهندي الفيلسوف غاندي: "إن أخطر ما يمكن هو تغيير المواقف، فمن يغير موقفه يغير مبدأه، ومن يغير مبدأه يغير صلته بوطنه، وتغيير المبدأ هو بداية الانهيار". نسأل الله سبحانه وتعالى أن نبقى ثابتين على مبادئنا الصحيحة السليمة، وأن نلتقي دائماً على المحبة والمودة والأخوة الصادقة النبيلة التي لا تعرف إلى الكذب طريقاً. بارك الله فيكم... وأختم حديثي بقوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا".
وشهد اللقاء نقاشات ركزت على الدعم المطلق لمواقف الأردن الثابتة بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، والالتفاف حول القيادة الهاشمية في الدفاع عن قضايا الأمة وثوابت الوطن وأمنه واستقراره ، وعبر الحضور عن تقديرهم لهذه المبادرة الوطنية التي تجمع أبناء الوطن على قيم الحوار الأصيل والولاء المخلص للتراب الأردني
وفي ختام هذا المشهد الوطني المهيب، أثبتت هذه الجموع أن الأردن، بصلابة جبهته الداخلية والتفافه حول قيادته الهاشمية الحكيمة، سيبقى عصياً على كل التحديات، وصخرةً تتحطم عليها كل الرهانات. لقد جاء هذا اللقاء من قلب "ديوان الرواد" ليكون رسالةً بالغة الدلالة للقاصي والداني؛ مفادها أن وعي الأردنيين هو السلاح الأقوى، وأن راية الوطن ستبقى خفاقةً في سماء المجد، تذود عن قضايا الأمة، وتحرس سيادة الأردن وأمنه واستقراره.




