شريط الأخبار
تضم أردنيين .. تركيا تعلن تفكيك شبكة احتيال دولية ذات صلات إسرائيلية العمل: 9 أيام متبقية لتوفيق أوضاع العمالة الوافدة .. والغرامة 800 دينار الطاقة: باخرة التغويز العائمة تكفي لتغطية احتياجات الأردن وتزويد سوريا ولبنان الحكومة تطرح عطاءات لإنشاء 4 مدارس جديدة بـ 8.7 مليون دينار 14.5 مليار دينار قروض الأفراد في الربع الثاني من 2026 الاحتلال يغلق شوارع وأحياء القدس ويشن حملات اعتقال في الضفة شركس: الأردن يتطلع إلى أن يكون التعاون مع سوريا بداية لشراكة اقتصادية ومصرفية أوسع وزارة الداخلية: 673 ألف مستفيد من الخدمات الإلكترونية خلال 2026 يلبسون البياض، وقلوبهم قلوب الذئاب .. الدنمارك: الولايات المتحدة احترمت خطوطنا الحمراء باتفاق غرينلاند إعفاء حاملي الجوازات الدبلوماسية في الأردن وبنما من التأشيرة وزير الثقافة يفتتح الدورة الحادية عشرة لمهرجان الأردن الدولي للأفلام ولي العهد لجو حطاب: كل الناس مبسوطة بالذي بتقدمه للأردن وزير الثقافة يُرحّب بنظيره السوري الذي يحلُّ ضيف شرف على معرض عمَّان الدولي للكتاب إعلام عبري يستبعد لقاء ترامب بنتنياهو خلال زيارته الولايات المتحدة السواعير: الأزمة السياحية قد تطول ولا يمكن تحديد موعد انتهائها مكافحة المخدرات تواصل حملتها ضد مادة الكريستال وتلقي القبض على ٥٥ مروجاً وتاجراً العياصرة : مشروع التدريبي لهواة التصوير الفوتوغرافي مشروع وطني يأتي في إطار دعم المبدعين من الشباب العايدي يرد على السرطاوي بشأن «فرح» الرقمية: هل تُعامل الشخصية الافتراضية معاملة المرأة الحقيقية؟ ترامب: أمور كبيرة جدا ستحدث في المستقبل القريب بشأن إيران

رمزية الغراب في الشعر

رمزية الغراب في الشعر

القلعة نيوز - إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

إن الشِّعر كيان محمول على الرموز .

والرموز هي قاعدة البناء الشعري ، والطاقة اللغوية القادرة على زراعة الصور الفنية المدهِشة في ذهن المتلقِّي .

وكُل شاعر له رموزه الخاصة به، التي تنبع من طبيعة شخصيته ورؤيته للأشياء .

وفي الفضاء الشِّعري يُصبح الرمز كالبصمة ، ولا يَقْدِر الشاعر أن يُحلِّق في فضائه إلا بوجود بصمة مميزة له، تكون بمثابة بطاقة تعريف لإبداعه .

والبصمةُ الشعرية تعمل عمل الجناحين للطائر . وكما أن الطائر لا يَقْدِر على الطيران إلا بوجود جناحين ، كذلك الشاعر لا يَقْدِر على الطيران في عوالمه الشعرية إلا بوجود بصمة شخصية ( رمز شِعري ) .

ومِن الرموز المنتشرة بكثافة في أشعار الأمم وثقافات الشعوب : الغُراب .

ومع أن هذا الرمز يتكرَّر بصورة واضحة في الكتابات ، إلا أن معناه يختلف باختلاف الطبيعة الفكرية للكاتب .

وهذا يدل على أن الرمز ليس مقصودًا لذاته ، ولا غاية قائمة بذاتها ، وإنما هو وسيلة وأداة توصيل للمعنى .

وقد ارتبطَ الغراب بالتشاؤم والسَّوداوية ، بسبب صَوته المميَّز ، ولونه الأسود القاتم .

وكان العرب في الجاهلية يتشاءمون بِه، فكانوا إذا نَعَبَ مرتين قالوا : آذنَ بِشَر .

وإذا نعب ثلاثًا ، قالوا: آذنَ بخير .

كما ارتبطَ الغراب بالفِراق ( البَيْن ) .

وقِيل : سُمِّيَ غراب البَيْن ، لأنه بانَ عن نُوح عليه الصلاة والسلام لَمَّا أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرض ، فَلَقِيَ جِيفة ، فوقعَ عليها ، ولَم يَرجع إلى نُوح .

وفي عالَم الشِّعر ، هناك شاعران حصلا على المجد الشعري والشهرة الأدبية ، عبر توظيف الغراب كرمز شِعري مُحمَّل بالدلالات اللغوية والمعاني الفلسفية .

الأول هو الشاعر الأمريكي إدغار ألان بو (1809 _1849).

والثاني هو الشاعر الإنجليزي تيد هيوز(1930_ 1998).

لقد أصبحَ " بو " مشهورًا في جميع أنحاء الولايات المتحدة حين نشر قصيدة" الغراب" ( 1845).

وتحكي القصيدة عن زيارة غُراب مُتكلِّم وغامض إلى عاشق مُضطرب .

وهذا المناخ الشِّعري يُقدِّم الغراب ككائن غامض ظَهر فجأةً ، لِيُعيد ترتيب حياة هذا العاشق المحطَّم نفسيًّا ، والمجروح عاطفيًّا.

لقد صارَ الغراب هو المنقِذ والمخلِّص والناصح الأمين.

وكأن هذا العاشق فقد ثقته بالناس ، ولَم يعد يثق إلا بهذا الغراب .

وهذه المفارَقة تُشير إلى انهيار العالَم الكامن في ذات الشاعر ، واختلال الموازين ، وفقدان البصيرة ، وغياب الرؤية .

وكما يُقال : إن الغريق يتعلق بحبال الهواء .

وحياةُ هذا العاشق المنهار في القصيدة ، إنما هي انعكاس لحياة الشاعر بو المنهارة بسبب إدمانه الشديد على الخمر ، وكثرة أزماته الروحية ، ومشكلاته المادية.

وقد صارت سُمعته سيئة للغاية في مجتمع القرن التاسع عشر المحافظ .

وقد هاجمه النُّقاد بشدة بسبب مُعاقَرته للخمر ، واتَّهموه بأنه مدمن على المخدِّرات.

وقال البعضُ إنه يجب أن لا يُترَك الجمهور معَ رَجل مِثله ، غير مستقر نفسيًّا وعقليًّا، يجلس في غرفة مُعتمة، مع غُراب على بابه، وزجاجة على طاولته، وأنبوب مليء بالأفيون.

إن " غُراب بو" هو الذي أبرزَ نقاط توتُّر الشاعر، وانهيار عَالَمه الشخصي، ووضَّح قلقه وكآبته وأحلامه الضائعة وآلامه المتفاقمة وأوضاعه المالية السَّيئة .

لذلك، ليس غريبًا أن تتمحور موضوعات " بو" حول الموت وعلاماته الجسدية وآثار التحلل ، والمخاوف من الدفن ، والحِداد.

إن قصيدة "الغراب" هي حجر الزاوية في مشروع بو الشعري الذي يمكن تسميته بالرومانسية السوداء، وهي رَدَّة فِعل أدبية للفلسفة المتعالية التي كرهها بو بشدة .

أمَّا الشاعر تيد هيوز فقد نشر ديوانه " الغراب " عام 1970 بعد مُعاناة كبيرة ، وانقطاع عن الكتابة لسنوات بسبب انتحار زوجته الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث في عام 1963 ، وقد تَمَّ تحميله مسؤولية انتحارها ، بسببخيانته لها .

يُعتبَر ديوان الغراب أشهر أعمال هيوز على الإطلاق .

وهذا الطير يتكرَّر مِرارًا في شِعره رَمْزًا للظلام والقسوة والسخرية السوداء والعنف الذي يتفجَّر في الطبيعة .

لقد درس هيوز في جامعة كامبردج عِلم الآثار والحفريات ، وهذا جعله على وَعْي تام بعناصر الطبيعة ، فاستخدمَ الحيوانات والطيور(وعلى رأسها الغراب) كنماذج في شِعره الذي يمتاز بالغموض والتَّنبؤية.

إن " غُراب هيوز" جَعل عالمه الشِّعري مليئًا بالعنف البدائي والقسوة المندمجة مَعَ انهيار الإنسان في عالم استهلاكي دموي تَحكمه الشهوات والغرائز . والغراب في شِعر هيوز ليس مفردةً عابرة ، أو صورة بلاغية مُجرَّدة ، بل هو رَمز مركزي شديد الاستقطاب ، تَحُوم حَوْله القيم الإنسانية المنهارة ، وملامح القسوة في الوجود .

وكأن هيوز _ من خلال توظيفه لرمزية الغراب _ يُريد إعادة الإنسان المتوحش إلى إنسانيته النقية ، وأنسنة العالَم القاسي الذي نعيش فيه.

وفي هذا السياق تندمج رمزية الغراب المركزية مع قيمة التمرد على الأنماط الاستهلاكية التي قَتلت رُوحَ الإنسان ، وحوَّلته إلى وحش ضِد أخيه الإنسان .

والتمردُ الشِّعري هو تحوُّل الطاقة الجسدية إلى بُنية لغوية .

وهذه البُنية اللغوية لا بُد لها مِن رمز يَحملها . وهذا الرمز هو الغراب ، الذي يُشكِّل بلونه الأسود القاتم الحقيقة الواضحة الصادمة ، بلا ألوان ، ولا زخارف .

وعلى الإنسان أن يُواجه مصيره بنفْسه ، ويَقتلع شَوكه بيديه ، ولا أحد سيأتي لمساعدة أحد .

وهذه هي اللحظة المصيرية الفاصلة بين الوجود ( البقاء ) والعدم ( الفناء ) .