شريط الأخبار
قطر تتصدى لهجوم صاروخي إيراني دون خسائر وزير الخارجية يتلقى اتصالا هاتفيا من نظيره الفيتنامي الأردن يعزي الإمارات باستشهاد اثنين من منتسبي القوات المسلحة رئيس مجلس النواب: أولويتنا حفظ مصالح المواطنين في قانون الضمان خبراء : الأردن يؤكد تضامنه مع الدول العربية ويرفض الاعتداءات الإيرانية غارات إسرائيلية تستهدف مناطق عدة في لبنان قتيلان بسقوط طائرة عمودية في الإمارات حسان يوجِّه بمراقبة الأسواق والأسعار ومنع الاحتكار: تطبيق القانون بحزم تركيا: دفاعات الناتو تسقط ثاني صاروخ منذ بدء الحرب قادم من إيران طهران: إيران مقبرة الأعداء .. ولا جدوى للحديث عن وقف الحرب السوق المحلية تشهد وفرة بالسلع والمواد الغذائية ارتفاع عدد شهداء قطاع غزة الى 72133 منذ بدء العدوان الإسرائيلي 2023 ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 30% على خلفية الحرب بالشرق الأوسط تمديد ولاية البرلمان اللبناني لعامين الإسعاف الإسرائيلي: 41 مصابا اليوم معظمهم خلال التدافع إلى الملاجئ لاريجاني: تعيين مرشد جديد لإيران أحبط واشنطن وتل أبيب الأردن يقود التضامن العربي ضد الاعتداءات الإيرانية: موقف حازم لحماية السيادة والأمن الإقليمي محافظة: قانون التربية والتعليم 2026 يهدف لتحسين جودة التعليم البريد الأردني الطرود البريدية وطرود التجارة الإلكترونية تعمل بشكل اعتيادي وطبيعي الملك يشارك في اجتماع عبر تقنية الاتصال المرئي مع قادة من الاتحاد الأوروبي ودول المنطقة

((الاقتصاد الأردني بين الكفاءة التشغيلية ... والعدالة الاجتماعية: خلل في المقومات وانحراف في المعايير))

((الاقتصاد الأردني بين الكفاءة التشغيلية ... والعدالة الاجتماعية: خلل في المقومات وانحراف في المعايير))



((الاقتصاد الأردني بين الكفاءة التشغيلية ... والعدالة الاجتماعية: خلل في المقومات وانحراف في المعايير))

القلعة نيوز: كتب الدكتور إبراهيم القرشي
في خضم المشهد الإقليمي المتغير والضغوطات المالية المتصاعدة التي تواجه الدول محدودة الموارد، يبدو الاقتصاد الأردني عالقًا في معضلة مزدوجة، تتمثل في غياب الكفاءة التشغيلية وانعدام العدالة الاجتماعية. ليست هذه المعضلة وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات لسنوات من السياسات المتعثرة والإدارة غير الفعالة، التي أفرغت الاقتصاد من مضمونه وأضعفت أثره على المجتمع، وأبقته في حالة من الدوران في الحلقة المفرغة بين الوعود الرسمية والواقع المتردي. فالاقتصاد لا يُقاس فقط بالأرقام والنسب، بل بقدرته على أن يكون منصفًا وعادلاً، وفعّالًا في آنٍ واحد. فحين تغيب العدالة، وتغيب معها الكفاءة، يصبح النمو مجرد رقم تجميلي يخفي تحته فشلًا أعمق وأخطر.
الكفاءة التشغيلية هي حجر الأساس لأي اقتصاد ناجح، فهي لا تعني فقط استغلال الموارد المتاحة إلى أقصى درجة، بل استخدامها في الاتجاه الصحيح، وبتكلفة معقولة، ومن خلال أيدٍ نظيفة وكفؤة. غير أن الواقع في الأردن يعكس صورة معاكسة تمامًا. فنحن أمام مشهد يتسم بتضخم في عدد المؤسسات المستقلة، واستنزاف للموارد العامة، وغياب شبه تام لمؤشرات الأداء والمساءلة. يتم تعيين الأشخاص في المناصب الحساسة على أساس الانتماء لا الخبرة، وتدار الموارد وكأنها ملك شخصي لا مال عام، وتُمنح الامتيازات بلا إنتاج، في حين يُحرم أصحاب الكفاءة من فرص التأثير والمشاركة. في هذا المناخ لا يمكن لأي اقتصاد أن يحقق نموًا حقيقيًا، لأن العصب الحي للإنتاج والتقدم – أي الإنسان الكفؤ – مستبعد ومُقصى.
أما العدالة الاجتماعية، فهي الغائب الأكبر عن المشهد الاقتصادي والسياسي. فهي لا تعني توزيع الأموال بالتساوي، بل توفير الفرص على أساس الجدارة، وإعطاء كل مواطن حقه في أن يحلم وأن يسعى، وأن ينجح إذا اجتهد، بغض النظر عن أصله أو صلته أو مكان ولادته. لكن في الأردن، باتت الوظيفة حكراً على فئة معينة، يُورث فيها المنصب كما تُورث الأرض، وتُحرم منها الكفاءات الشابة لمجرد أنها لا تملك ظهرًا سياسيًا أو عائليًا. شباب من الطبقات المسحوقة ينتظرون سنوات طويلة دون أن يحصلوا على فرصة، بينما أبناء المتنفذين يتنقلون بين المناصب بسهولة وكأن الدولة مزرعة خاصة لهم. هؤلاء المهمشون يُستدعون فقط عند الحاجة للتصفيق والتزيين والتطبيل والتزمير، ويُستغلون إعلاميًا وشعبويًا، بينما هم في الحقيقة لا يملكون قوت يومهم، ويشيخ بعضهم دون أن يظفر بوظيفة تحفظ له كرامته.
ومن أكثر صور الظلم الاقتصادي فجاجةً، تلك الفوارق المرعبة في الرواتب والدخول. ففي الوقت الذي يتقاضى فيه بعض المدراء العامين في مؤسسات مستقلة رواتب تتجاوز 375 ألف دولار سنويًا، أي ما يعادل أكثر من ربع مليون دينار ((وهذا قد يفوق راتب أعظم دوله على وجه الأرض)) ، نجد أن الغالبية العظمى من المواطنين يعيشون على رواتب قد تقل عن 300 دينار شهريًا. لا يمكن بأي معيار اقتصادي أو أخلاقي تبرير هذا التفاوت، لأنه لا يعكس فروقات في الإنتاج أو الأداء، بل يعكس خللاً في منظومة التوزيع، وغيابًا للعدالة، وتواطؤًا صامتًا من الدولة مع قوى النفوذ.
ولا تقتصر هذه الفجوة على الطبقات، بل تمتد لتأخذ طابعًا جغرافيًا شديد الخطورة. إذ تُركّز معظم المشاريع الحكومية والبنى التحتية والخدمات المتقدمة في العاصمة عمان(اكلتنا حتى العظم)، بينما تُهمل المحافظات الأخرى إهمالًا يُخيّل للبعض ممنهجًا ومقصودًا. مدن مثل الكرك وأربد ….والطفيلة ومعان.. وعجلون والمفرق والبتراء وغيرها، تعاني من ضعف الاستثمار، وقلة الخدمات، وغياب فرص التشغيل، وكأنها لا تنتمي إلى الخريطة الاقتصادية للدولة. في المقابل، تُضخ المليارات في عمان، وتُعاد هيكلة موازنات الوزارات على مقاس العاصمة، وتُبنى المشاريع الكبرى حيث تسكن النخب، لا حيث تتطلب الحاجة. هذه ليست فقط سياسة غير عادلة، بل هي وصفة لانفجار اجتماعي صامت يتنامى يومًا بعد يوم، ويؤسس لتفكك اجتماعي داخلي خطير.
والأدهى من كل ما سبق أن هناك مؤسسات أُنشئت تحت شعارات وطنية نبيلة، لكنها تحولت إلى مراكز امتيازات مغلقة، تستنزف ميزانية الدولة دون مردود حقيقي. أصبحت هذه المؤسسات أشبه بصناديق مغلقة محمية بالقانون، تُصرف فيها الرواتب والمكافآت والتعويضات بأسقف خيالية، وتُدار بلا مساءلة حقيقية، ولا تخضع لتقييم أداء فعلي، في الوقت الذي تحتاج فيه الدولة إلى كل دينار لتعزيز الأمن الاقتصادي والاجتماعي لمواطنيها. هذا النوع من المؤسسات لا يمثل مجرد عبء مالي، بل هو تعبير صارخ عن نموذج اقتصادي مغشوش، يفصل بين الوطنية كخطاب، وبين الوطنية كممارسة ومسؤولية.
إذا أردنا تجاوز هذا المأزق التاريخي، فلا بد من إعادة بناء الاقتصاد الأردني على قاعدة مزدوجة من الكفاءة والعدالة. الكفاءة تقتضي إنهاء سياسة الترضيات، واعتماد مبدأ الجدارة والشفافية، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة على أساس الفاعلية لا النفوذ. والعدالة تقتضي إعادة النظر في توزيع الثروات والموازنات والفرص، وضمان وصول الخدمات والتنمية إلى جميع مناطق المملكة على قدم المساواة. ولا يمكن الحديث عن أي إصلاح حقيقي إذا استمرت السياسات التي ترسخ الامتيازات بدلاً من المساواة، وتكافئ الولاء على حساب الكفاءة، وتُهمل الأطراف لصالح المركز. ((إن الاقتصاد ليس مجرد سوق أو ميزانية أو أرقام، بل هو عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن.)) فإذا تمزق هذا العقد، ضاعت الثقة، وساد الشعور بالظلم، وتآكل الانتماء.
وطالما أكد جلالة الملك عبد الله الثاني أن العدالة الاجتماعية ركن أساسي في بناء الدولة، ودعا مرارًا إلى تمكين الشباب وتكافؤ الفرص ومحاربة الواسطة والمحسوبية. هذه التوجيهات الملكية تعكس حرص القيادة على إصلاح حقيقي يُترجم إلى سياسات تُنصف المواطن وتعزز الثقة بالدولة
المرحلة المقبلة تتطلب جرأة سياسية وإرادة حقيقية، تتجاوز الحسابات الضيقة، وتتبنى مشروع إصلاح اقتصادي وطني شامل، يقوم على إنصاف الإنسان، واحترام عقله وجهده، ورد الاعتبار للعدالة والكفاءة معًا. فبدون ذلك، سيبقى الاقتصاد الأردني يدور في حلقة الفقر والتفاوت والتهميش، وسيظل المواطن يصرخ في صمت، بينما يزداد الأغنياء غنى، ويزداد الفقراء بؤسًا، إلى أن يُقال: كان هنا وطن.