إبراهيم الحجايا
في المشهد السياسي، نادراً ما تتجاوز المبادرات المحلية حدود الجغرافيا لتحدث أثراً في الوجدان الجمعي للجوار، إلا إذا كانت تلك المبادرات تحمل في طياتها "جينات" الصدق والاتساق مع المبادئ التاريخية.
ما كتبه الكاتب المقدسي عمر فتحي الرفاعي حول مبادرة الدكتور عوض خليفات ليس مجرد قراءة سياسية لحدث أردني، بل هو مؤشر جوهري على أن الخطاب الذي يقوده خليفات قد نجح في ملامسة الهم المشترك، وتجاوز الحدود الإقليمية ليصل إلى قلب القدس.
حين يفيض الأثر: من الداخل إلى العمق العروبي إن تفاعل الأشقاء في فلسطين، وتحديداً في القدس، مع حوارات الدكتور عوض خليفات التي جابت المحافظات الأردنية، يحمل دلالة عميقة؛ فهي تؤكد أن "التحصين الداخلي" الذي تسعى إليه المبادرة ليس شأناً أردنياً معزولاً، بل هو ركيزة أساسية يستند إليها الأهل في فلسطين. فكلما كان الداخل الأردني متماسكاً، عقلانياً، وملتفاً حول قيادته وثوابته، شعر المقدسيون بظهير قوي وسند لا يتزعزع.
هذا الصدى الذي وجدناه في كلمات الكاتب الرفاعي يبرهن على أن خطاب المبادرة لم يكن موجهاً للاستهلاك المحلي، بل كان نابعاً من مدرسة سياسية تؤمن بأن قوة الموقف الأردني تجاه القدس والمقدسات والوصاية الهاشمية تبدأ من وحدة الصف في القرى والمدن والمخيمات الأردنية.
صدق الطرح وملامسة الوجدان لماذا يكتب مقدسي عن مبادرة "شخصية" أردنية؟ الإجابة تكمن في "ثبات المبدأ". الدكتور عوض خليفات، عبر تاريخه الطويل في الدولة، لم يغير لغته ولا انحيازاته. وهذا الاتساق هو ما خلق جسراً من الثقة العابرة للحدود.
فعندما يتحدث خليفات عن الهوية الوطنية الأردنية الواحدة وعن الالتفاف خلف جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي العهد، فهو يقدم نموذجاً للمسؤول الذي يدرك أن "البوصلة التي لا تشير إلى القدس هي بوصلة تائهة".
لقد لمس الأشقاء في فلسطين في هذه اللقاءات الـ (31) التي عقدها الدكتور خليفات، روحاً وطنية ترفض المزايدات، وتؤصل لفكرة أن الأردن القوي هو مصلحة فلسطينية عليا. هذا الخطاب العقلاني هو الذي وجد صداه لدى العشائر والأحزاب والشباب في الأردن، ومن ثم انتقل أثره إلى الأشقاء الذين يراقبون المشهد الأردني بعين المحب والمتأمل.
التحصين الداخلي كرسالة طمأنة المبادرة التي انطلقت بجهد شخصي، أثبتت أن "الدبلوماسية الشعبية" والعمل الوطني الصادق قادران على ردم الفجوات. وحين يرى المراقب من القدس أن الرموز الوطنية الأردنية تتحرك في الميدان لتعزيز الوعي والتماسك، فإنه يدرك أن الدولة الأردنية تمتلك مخزوناً استراتيجياً من الشخصيات القادرة على حماية الجبهة الداخلية في وجه العواصف الإقليمية.
إن وصول رسالة الدكتور عوض خليفات إلى "عناتا" والقدس هو أكبر دليل على أن المبادرة لم تكن مجرد "لقاءات حوارية"، بل كانت عملية "إعادة إنتاج للوعي الوطني" الذي يربط استقرار الأردن بدوره التاريخي والأخلاقي تجاه القضية الفلسطينية.
لقد أثبتت مبادرة الدكتور عوض خليفات أن الكلمة الصادقة لا تحجبها المسافات، وأن الهم الأردني والفلسطيني مسار واحد في جسد واحد. إن هذا القبول الشعبي والصدى المقدسي للمبادرة هو دعوة للاستمرار في هذا النهج الحواري الذي يجمع ولا يفرق، ويحصن الداخل ليبقى الأردن دائماً، كما أراده الهاشميون، السند والظهير والقلعة الحصينة التي يستمد منها الأحرار في بيت المقدس عزيمتهم وثباتهم.




