حسين الرواشدة
أكثر من أي وقت مضى ، تتحرك " مجسّات" الدولة في اتجاهات مفتوحة لرصد وتحديد ما يهدد بلدنا من أخطار ،كل شيء اصبح متوقعاً، يجب أن نعتمد على أنفسنا أولاً، ما يجري من تحولات في العالم والمنطقة يستدعي الحذر والاستعداد ، إعادة هيكلة الجيش خطوة ضرورية ومفهومه في سياقها العسكري ، لكن مهم أيضاً التدقيق في سياقها الوطني ورسائلها السياسية ، داخلياً وخارجياً، إعلان الهيكلة أمام الرأي العام يعني الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى جديدة ومختلفة ، تتناسب تماماً مع "قادم" بدأ يتشكل ؛ الغموض فيه يُترجم إلى " أفخاخ"، التحالفات القديمة قيد القلق والاختبار ، والنجاة هدف الكثيرين.
نحن أمام لحظة تاريخية فارقة، بدأت فيها ملامح هيكلة العالم من جديد ، النظام الدولي ، والنظام الإقليمي، الخرائط والمصالح ومناطق النفوذ ، سقطت أفكار ونظريات وأدوات ومقاربات عديدة ، بلدنا يقع في نطاق حفرة الانهدام السياسي ، حيث الهلال الذي لم يعد خصيباً، وحيث القضية الفلسطينية التي أصبحت قيد التصفية، وسوى الروم خلف ظهورنا روم ، لا ندري على أي الجانبين نميل ؛ ملف الحرب ضد إيران على وشك الانفجار ، ملف ابتلاع الضفة الغربية يفتح باب التهجير ، ملف الجنوب السوري وداعش في العراق يضغط على حدودنا ومصالحنا، وأعصابنا أيضاً.
نحن أمام لحظة مكاشفة ، مهم جداً أن يقرأ الأردنيون رسالة الملك إلى رئيس هيئة الأركان المشترك بعمق وانتباه، ليس فقط في سياق أبعادها العسكرية التي تعيد ترتيب واجبات الجيش وعملياته، وتضعه في مسار مواجهة الحروب الجديدة ، وتؤهله لمواجهة الأخطار القادمة ، وإنما أيضاً في سياق معركة الوعي على الأردن التي تحتاج إلى إعادة هيكلة، وفي سياق الاستدارة للداخل الأردني التي تستدعي تغييراً في السلوك والأدوات ، وفي سياق ضبط النقاش العام الذي يتطلب تحديد البوصلة ، وبناء خطاب دولة مقنع ومؤثر.
إعادة هيكلة جيشنا الباسل الذي يحظى بثقة الأردنيين واعتزازهم ، ربما يؤسس لمرحلة قادمة تتحرك فيها السياسة على مراكب جديدة ، تتناسب مع استحقاقات المرحلة وتحدياتها، خلال الشهرين القادمين سيشهد بلدنا -في تقديري - تغييرات في بعض المواقع ، وحسماً للعديد من الملفات العالقة، واتخاذ تدابير سياسية وتشريعية استعدادًا لاحتمالات متوقعة، بعضها يتعلق بما يجري في محيطنا من تحولات ومستجدات، ربما نشهد ،أيضاً، إعادة ترتيب لعلاقاتنا وتحالفاتنا مع عواصم دولية وإقليمية مهمة، ماكينة السياسة الأردنية تتحرك بهدوء وحكمة لبناء معادلات جديدة ، تضمن استقرار الأردن وحمايته.
إنجاز أي هيكلة عسكرية أو سياسية أو اقتصادية ، أو في أي قطاعات أخرى ، يجب أن تتوازى مع عملية إنعاش وتنظيم لحركة المجتمع، أقصد الأردنيين بكافة قواهم ووسائطهم السياسية والاجتماعية والثقافية، لا يجوز أن نسمح لأي تيار أن يخطف إرادة المجتمع ، أو أن يتسلل للعبث بمشاعره، انتهى عصر الولاءات العابرة للحدود، لا يجوز أن نترك النقاشات العامة حول قضايا مهمة بلا "عدّادات إنضباط" تستند إلى مصالح الدولة العليا ، لا يجوز أن نفتح ، بتصريح أو تلميح ، أي ثقوب يدخل إلينا منها شبح التهجير أو الوطن البديل ، تحت ذريعة الظروف الإنسانية، إعادة التذكير بهذه المرتكزات : الأردن أولوية ،الهوية الوطنية الأردنية عنوان، ضرورة مواجهة اعاصير الزيف والإفك الإعلامي التي تتقصد بلدنا، يجب أن تكون أجندة وطنية يلتزم بها الجميع.



