عبدالكريم الشنون / مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي
بينما تضج العاصمة عمان بأضواء المصانع وحركة التجارة، تقبع قرانا وباديتنا في صمتِ الحاجة، حيث يصارع رب الأسرة لتأمين قوت يومه برؤوس أغنامٍ معدودة لا تسمن ولا تغني من جوع في ظل غلاء المعيشة وتآكل الدخول. إن هذا الفراغ التنموي الذي تعيشه الأطراف ليس مجرد تحدٍ اقتصادي عابر، بل هو بوابة مشرعة لرياح السموم والمخدرات التي بدأت تنهش في جسد شبابنا الذين ضاقت بهم السبل، فباتوا فريسة سهلة لكل من يَعِدُهم بالمال السريع خلف ستار الانحراف والجريمة، مما يهدد جودة الحياة والأمن الاجتماعي في الصميم.
إن النهوض بهذه المجتمعات يتطلب رؤية وطنية شاملة تبدأ من تحويل "الرعوية الفردية" إلى "تعاونيات إنتاجية" كبرى، يقودها أبناء البادية بأنفسهم، وهنا يبرز دور الدولة المحوري في تبني هذه الجمعيات من خلال تقديم تسهيلات استثنائية، وعلى رأسها تخفيض أسعار الأعلاف بشكل ملموس لهذه الكيانات التعاونية، مما يقلل كلف الإنتاج ويسمح بإنشاء مصانع ألبان وأجبان حديثة في قلب البادية تسوق منتجاتها كعلامة تجارية وطنية. هذا الدعم الحكومي المدروس سيحول المربي من مجرد باحث عن العلف إلى شريك في عملية إنتاجية متكاملة توفر فرص عمل كريمة للشباب في مجالات التعبئة والتغليف والتوزيع، وتقطع الطريق على أي تفكير في الكسب غير المشروع.
وفي موازاة هذا الدور الحكومي، تبرز المسؤولية الاجتماعية والواجب الأخلاقي للشركات الكبرى، خاصة تلك العاملة في قطاعات الطاقة والتعدين التي تستفيد من موارد هذه المناطق وتمر شاحناتها عبر قراها؛ إذ لا يمكن تحقيق استدامة تنموية دون أن تلتزم هذه الشركات بإنشاء مراكز تدريب مهني متخصصة لأبناء المجتمع المحلي لتأهيلهم لسوق العمل. ويجب أن يقترن ذلك بسياسة توظيف صارمة تمنح الأولوية القصوى لأبناء المنطقة، وتمنع استقطاب أي عمالة من خارجها طالما وُجد من بين أبنائها من يجيد العمل أو يملك القابلية للتدريب والتمكين. إن هذا الربط العادل بين وجود الشركة ونماء أهل المنطقة هو الكفيل بخلق بيئة اجتماعية مستقرة وحامية للاستثمار.
ويتكامل ذلك مع تحول جذري في دور الجمعيات والمؤسسات التنموية، بالانتقال من فلسفة "الطرود الغذائية" إلى "المشاريع الإنتاجية الصغيرة"، كدعم البيوت البلاستيكية أو المشاغل اليدوية، لضمان دخل مستمر يحمي الأسرة من العوز. ختاماً، إن محاربة الآفات الاجتماعية في أردننا الغالي لا تكتمل بالملاحقة الأمنية وحدها، بل بتمكين الإنسان اقتصادياً ورد الاعتبار لكرامته الاجتماعية في موطنه. إن شبابنا في الأطراف هم السور الحامي للوطن، وحمايتهم تبدأ بتعزيز سبل الرزق الكريم وتخفيف الأعباء عن كاهل أهلنا في البادية والمحافظات، ليبقى البيت الأردني حصناً منيعاً لا تكسره رياح الحاجة ولا تلوثه دروب الضياع، فجودة حياة الفرد في أقصى البادية هي المعيار الحقيقي لنجاح مسيرتنا.




