شريط الأخبار
بعد تصريحات ترامب : المالكي ينسحب من سباق حكومة العراق "أكسيوس" يكشف تصريحات لوزير الدفاع السعودي حول احتمال تراجع واشنطن عن ضرب إيران انفجار داخل محطة وقود في العقبة الصبيحي : 460 ألف بدل تعطل عن العمل صرفها الضمان بقيمة 734 مليون دينار تثبيت تعرفة بند فرق أسعار الوقود على فاتورة الكهرباء «صواريخنا ستصل قلب تل أبيب».. إيران ترفع مستوى التهديد الرئيس الإيراني: ترامب ونتنياهو وأوروبا أثاروا التوتر في الاحتجاجات الأخيرة السفير الهندي: شراكة أردنية-هندية متنامية في مختلف المجالات خبراء: عام 2026 مرحلة محورية في مسار المشروعات الاستراتيجية الكبرى الحكومة تجمع 150 خبيرا لبحث مشروع مدينة "عمرة" نظام جديد للفحص الطبي قبل الزواج عراقجي: مستعدون للتخلي عن السلاح النووي مقابل رفع العقوبات قبيل فتحه .. "خط مصري أحمر" بشأن معبر رفح الرواشدة يختتم فعاليات الأسبوع الأردني المغربي للحرف المالكي ينسحب من سباق حكومة العراق و«الإطار» يبحث البدائل حالة إرباك وتخبط شهدتها تسعيرة الذهب بالأردن السبت.. ما السبب؟ صحيفة لبنانية: لو امتلك لبنان قيادة هاشمية.. لما انزلق نحو هاوية الانهيار 7 شهداء جراء قصف الاحتلال عدة مناطق في قطاع غزة مجلس الأمن يمدد القوة الأممية في قبرص عاما كاملا ارتفاع على الحرارة اليوم وغدًا وانخفاض ملموس الثلاثاء

المناصير يكتب : في ذكرى ميلاد الملك عبد الله الثاني

المناصير يكتب : في ذكرى ميلاد الملك عبد الله الثاني

د. محمد المناصير

* رؤية جلالة الملك تسبق رؤى المسؤولين عشرات السنين

بمناسبة عيد ميلاد الملك عبد الله الثاني، الذي أتمّ يوم أمس عامه الخامس والستين ، فقد وُلد جلالته في 30 كانون الثاني 1962م، فقد دخل عامه الخامس والستين في منطقة لم تهدأ طوال الـ 25 عاماً الماضية. في تمكن خلالها من الحفاظ على كيان الدولة. فمنذ توليه السلطة، مر الأردن بأحداث زلزالية اهمها احتلال العراق، الربيع العربي، الأزمة السورية، صعود داعش، وأخيراً جائحة كورونا والتوترات الإقليمية الحالية. فقد نجح الملك في الحفاظ على الأردن كـ "واحة استقرار" وسط إقليم محترق. واستطاع الموازنة بين ضغوط القوى العظمى واحتياجات الداخل، وهو ما يسمى بـ "فن الممكن" في السياسة الدولية. وعلى الصعيد الاقتصادي تمكن من تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد خدماتي ورقمي، وتعزيز قطاع السياحة، وتوقيع اتفاقيات تجارة حرة عالمية. وتبقى التحديات وخاصة تزايد المديونية، ارتفاع نسب البطالة، وتآكل الطبقة الوسطى. فلم تصل نتائج الإصلاحات الاقتصادية الملموسة للمواطن العادي بنفس سرعة التغيير في المظهر العمراني أو التقني وهذا يحتاج الالتزام برؤية الملك في هذا المجال .

ان حكم الملك عبد الله الثاني لا يستند فقط إلى شرعية سياسية أو دستورية حديثة، بل يرتكز على "شرعية تاريخية ودينية" ضاربة في العمق لأكثر من 850 عاماً من الشرافة والملك ، اضافة لشرعية النسب الهاشمي المتصل بالنبي محمد ﷺ. وان هذا العمق التاريخي يمنح الملك عبد الله الثاني ميزات فريدة في إدارة الدولة أهمها الرمزية الجامعة في بلد يضم أطيافاً ومكونات متنوعة، يمثل الهاشميون "المظلة" التي تجمع الجميع. فالولاء للهاشميين ليس مجرد ولاء سياسي، بل هو جزء من الموروث الثقافي والديني للهوية الأردنية ، وان هذه الشرعية التاريخية (الشرافة والملك ) تعطي للملك وزناً خاصاً في المحافل الدولية، خاصة في العالم الإسلامي، وتجعل من دور الأردن في القدس (الوصاية الهاشمية) حقاً تاريخياً معترفاً به دولياً، يصعب تجاوزه أو القفز فوقه ، فالأنظمة التي تستند إلى شرعية "تاريخية" تكون أكثر قدرة على الصمود في وجه "الهزات" مقارنة بالأنظمة التي تعتمد على شرعية "أيديولوجية" أو "ثورية" عابرة.
ويُحسب للملك عبد الله الثاني أنه جعل من الأردن "لاعباً لا يمكن تجاوزه" في ملفات الشرق الأوسط، رغم صغر حجم الدولة وقلة مواردها. وقد اثبتت الوصاية الهاشمية على المقدسات دور الأردن التاريخي في القدس كخط أحمر، وهو ملف يتطلب شجاعة ومناورة سياسية عالية جداً أمام ضغوطات دولية كبرى . مما منح الأردن وجهاً عصرياً ومنفتحاً، مما ساعد في جلب المساعدات الدولية والاستثمارات، رغم تعقيدات البيروقراطية المحلية.

وعلى صعيد الاصلاح السياسي يسير الأردن حالياً في مسار "تحديث المنظومة السياسية" (الأحزاب والبرلمان) وإذا قمنا بتقييم القيادة بالنتائج، فإن الملك عبد الله الثاني تمكن من قيادة الأردن للعبور من فوق ألغام إقليمية كانت كفيلة بتفكيك دول أكبر بكثير. أما على الصعيد الداخلي، فالتحدي الأكبر يظل في ترجمة الاستقرار السياسي إلى رفاه اقتصادي يشعر به الجميع.

وقد جاء الملك عبد الله الثاني في عصر "العولمة" والتكنولوجيا والحروب غير التقليدية (الإرهاب، الأزمات الاقتصادية العالمية). لذا، تجد طريقته تميل نحو "المؤسسية والبحث عن الحلول التقنية والاقتصادية"، ومحاولة تحويل الأردن إلى نموذج عصري (Modernization) رغم شح الموارد والنهوض بالمؤسسة العسكرية نحو التقدم والعالمية .

ولا تزال عبارة الملك في خيالي حين اكد غير مرة ("من لا يستطيع العمل فليستقيل") مما يعكس حالة من الإحباط تجاه "البيروقراطية" من خلال الأجهزة التنفيذية التي لا تتحرك بنفس السرعة التي تطلبها التحديات الراهنة. فجلالته يفهم ان المقاومة الخفية للإصلاح أي عملية تحديث (سياسية أو اقتصادية) تهدد مصالح فئات استفادت من الوضع القائم لسنوات طويلة. هؤلاء قد لا يعارضون الملك علناً، لكنهم يمارسون "الإعاقة الهادئة" للقرارات، مما يجعل النتائج لا تصل إلى الشارع والمواطن عموما .

ويمكننا المقارنة بين مفهوم "رجل الدولة" مقابل "الموظف الكبير ؛ فالرعيل الأول (أمثال الذين عاصروا الملك المؤسس والملك طلال والملك الحسين واوائل عهد الملك عبد الله الثاني ) كانوا يعتبرون أنفسهم "شركاء" في بناء حلم وطني وقومي. كان لديهم ثقل سياسي واجتماعي يستمدونه من مواقفهم وتاريخهم، وليس فقط من "الكرسي". اما اليوم، فقد تحول المنصب في نظر الكثيرين إلى "وظيفة مرموقة" أو محطة لتحقيق مكاسب شخصية وبرستيج اجتماعي، مما جعل "المصلحة الخاصة" تتقدم على "المصلحة العامة".

وكان رجال الدولة الأوائل كانوا يمتلكون الجرأة لمصارحة الملك وتقديم النصيحة بصدق، حتى لو خالفت رغبة القيادة أحياناً، لأن دافعهم كان حماية الكيان الوطني. أما اليوم، فغالبية المسؤولين يتبعون سياسة "سكن تسلم"، حيث يسعون لإرضاء المراجع العليا دون تقديم مبادرات حقيقية أو حلول خارج الصندوق، وهو ما يفسر غضب الملك المتكرر ومطالبته للمسؤولين بالاستقالة إذا لم يستطيعوا الإنجاز.

رجال الدولة في السابق كانوا يخرجون من رحم المجتمع، يعرفون تفاصيل حياة الناس ومشاكلهم. المسؤول المعاصر غالباً ما يعيش في "فقاعة" من الامتيازات، مما يجعل قراراته تقنية باردة، بعيدة عن واقع المواطن ومعاناته، وهذا ما يعزز الشعور الشعبي بأن المسؤول يعمل لمصلحته وللمقربين منه فقط.: في الماضي، كان المسؤول مثقفاً، قارئاً للتاريخ، وصاحب رؤية اما اليوم، فقد طغت "التكنوقراطية" الجافة، حيث يأتي المسؤول بخلفية فنية أو إدارية محدودة، دون أن يمتلك "الحس السياسي" الذي يمكنه من قيادة الرأي العام أو الدفاع عن قرارات الدولة أمام الناس.

وقد تميز الملك عبد الله الثاني بنظرة عسكرية حديثة؛ فهو لم يكتفِ بجيش تقليدي، بل جعل الأردن مركزاً إقليمياً للتميز في العمليات الخاصة ومكافحة الإرهاب، هذا التميز جعل الأردن شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه للقوى العظمى، مما وفر حماية سياسية وعسكرية للمملكة في أوقات حرجة (مثل صعود داعش وغيرها ).

ومن أهم أعماله التي خدمت الأردن وصورته عالمياً هي قيادة جبهة فكرية ضد التطرف. "رسالة عمان" التي لم تكن مجرد ورقة دينية، بل كانت أداة "قوة ناعمة" حمت الأردن من الانزلاق للفتن المذهبية، وصورت المملكة كدولة رائدة في الاعتدال، مما سهل جلب الدعم الدولي والتعاون في مختلف المجالات.

وفي عهد جلالته واجهت القدس تحديات غير مسبوقة (مثل صفقة القرن ومحاولات تغيير الوضع القائم). فقد تميز الملك بصلابة واضحة في هذا الملف، حيث جعل من الوصاية الهاشمية ركيزة أساسية في خطابه الدولي، ونجح في تدويل هذه القضية وحشد إجماع عالمي يحفظ للأردن دوره التاريخي والديني، مما يعزز شرعية الدولة داخلياً وخارجياً.

وقد قام الملك عبد الله الثاني بعمل غير مسبوق بوضعه "الأوراق النقاشية". هذه الأوراق التي التي تعتبر وثائق فكرية وقعها الملك بنفسه لتكون مرجعاً للمواطن لمساءلة الحكومات. هي محاولة لنقل الأردن من "دولة ريعية" إلى "دولة مدنية ديمقراطية"، وبصرف النظر عن بطء التنفيذ من قِبَل الطواقم، إلا أن "الرؤية" أصبحت موثقة ومتاحة للجميع. وهذا الأسلوب غير مسبوق في الأنظمة الملكية العربية؛ حيث اختار الملك أن يخاطب الشعب عبر "مقالات فكرية" (7 أوراق نقاشية) يطرح فيها رؤيته للديمقراطية، وسيادة القانون، والتعليم. هذا الأسلوب يهدف إلى خلق "وعي جمعي" مشترك بين القيادة والشعب حول مستقبل الدولة، ويضع الحكومات أمام مسؤولياتها التاريخية.

وكان الملك عبد الله الثاني أول من دفع باتجاه جعل الأردن مركزاً للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في المنطقة. لولا هذه الرؤية المبكرة، لكان الاقتصاد الأردني في وضع أصعب بكثير اليوم. هذا التوجه فتح آفاقاً للشباب الأردني للعمل عالمياً وتأسيس شركات ريادية نافست على مستوى الشرق الأوسط.

وباختصار تمكن الملك وضع الأردن على "سكة الأمان" من خلال موازنة دقيقة بين الحداثة والتقاليد، وبين التحالفات الدولية والمصلحة الوطنية . لكن المعضلة في "أدوات التنفيذ" (الوزراء والمسؤولين) الذين يحتاجون للارتقاء لمستوى هذه الرؤية الملكية التي تتقدم عليهم بعشرات السنين .

وعند تتبّع مسيرة الملك عبد الله الثاني خلال الـ 25 عاماً الماضية، ففي مجال الادارة نجد أن هناك "أسلوباً خاصاً" في الإدارة يمزج بين الخلفية العسكرية الميدانية والعقلية السياسية المنفتحة. ففي بداية حكمه، اشتهر الملك بأسلوب "الزيارات التنكرية" للمؤسسات الحكومية والمستشفيات للوقوف على جودة الخدمة المقدمة للمواطن بعيداً عن التقارير المزوقة. ذلك أن أسلوب "المتابعة الميدانية" ظل حاضراً عبر جولات الملك في المحافظات، مما يعكس رغبة في كسر الحاجز البيروقراطي بين القمة والقاعدة.

ويتبع الملك أسلوباً دبلوماسياً هادئاً يعتمد على "الوقوف على مسافة واحدة" من الجميع دون الدخول في صراعات المحاور. هذا الأسلوب مكن الأردن من الحفاظ على علاقات متينة مع الغرب (أمريكا وأوروبا) وفي الوقت نفسه علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية الكبرى الاخرى ، مما جعل الأردن "الوسيط الموثوق" في المنطقة.

ولتحفيز الجهاز الإداري المترهل أدخل الملك مفهوم "التميز الإداري" عبر جوائز مخصصة للقطاع العام والخاص. كان الهدف هو خلق ثقافة "المنافسة" والإنتاجية بدلاً من ثقافة "الموظف التقليدي"، وهي محاولة لمأسسة الإصلاح الإداري. وقد ركز الملك في أسلوبه الإداري على قطاعين حيويين: التعليم والرقمنة من خلال إدخال الحاسوب للمدارس في وقت مبكر جداً ودعم قطاع تكنولوجيا المعلومات ، وجعل جلالته الجيش العربي الأردني جيشاً نوعياً واحترافياً يعتمد على التكنولوجيا والتدريب العالي، مما جعل "الأمن" هو المنتج الأردني الأغلى والأكثر استقراراً.

يتميز الملك عبد الله الثاني بقدرة فائقة على مخاطبة الغرب بلغتهم وعقليتهم، وهو ما يفعله في المحافل الدولية (مثل خطاب الأمم المتحدة أو الكونغرس). هذا الأسلوب وفّر للأردن "مظلة حماية" دولية وضمان استمرار المساعدات الاقتصادية والعسكرية رغم كل الهزات الإقليمية. وقد عمل جلالته على "تحديث المؤسسات" ومحاولة القفز بالأردن إلى عصر التكنولوجيا وسط بيروقراطية تقاوم التغيير ..