رشا موسى / إعلامية سورية
لا يُفسَّر العنف العقائدي بوصفه نتاج إيمانٍ عميق، بل بوصفه ظاهرة نفسية–اجتماعية معقّدة، درستها علوم النفس الاجتماعي، وعلم نفس التطرّف، ودراسات نزع الإنسانية.
المتشدد الذي يُحلّل قتل الآخر بسبب اختلافه الديني لا يتحرّك بدافع روحي، بل داخل بنية ذهنية مغلقة تُعيد تعريف الأخلاق، والهوية، والإنسان.
⸻
1) الانغلاق المعرفي ووهم الحقيقة المطلقة
يُظهر المتشدد مستوى مرتفعًا من Need for Cognitive Closure (الحاجة إلى اليقين المعرفي)، وهو مفهوم طوّره Kruglanski.
هذه الحاجة تجعل الفرد:
* يرفض الغموض
* يعادي التعدّد
* يبحث عن إجابات نهائية وبسيطة
فتتحوّل العقيدة إلى حقيقة مطلقة غير قابلة للنقاش، ويُعاد تعريف الاختلاف كتهديد وجودي.
⸻
2) نزع الإنسانية كشرط نفسي للعنف
تشير دراسات Bandura وHaslam إلى أن Dehumanization تمثّل المرحلة المفصلية التي تسبق العنف.
عندما يُجرَّد الآخر من صفته الإنسانية لغويًا وأخلاقيًا، يصبح إيذاؤه أو قتله فعلًا مبرَّرًا نفسيًا.
اللغة هنا ليست وصفًا، بل أداة إعداد نفسي للعنف.
⸻
3) الإسقاط النفسي والعنف التعويضي
وفق نظرية الإسقاط (Projection) في التحليل النفسي، يُسقِط الفرد صراعاته الداخلية غير المحلولة على "عدو خارجي”.
تشير أبحاث التطرّف إلى أن كثيرًا من المتشددين يعانون:
* إحباطًا مزمنًا
* شعورًا بفقدان السيطرة
* أزمة هوية
فيُعاد توجيه هذا الألم إلى عنف "مقدّس” يمنح إحساسًا زائفًا بالقيمة والقوة.
⸻
4) الانصهار الهويّاتي وإلغاء المسؤولية الفردية
يصف Swann et al. حالة Identity Fusion، حيث يذوب الفرد كليًا داخل الجماعة.
في هذه الحالة:
* تُلغى الذات الفردية
* يُعطَّل الضمير الشخصي
* تُنقل المسؤولية الأخلاقية إلى الجماعة أو القائد
القتل هنا لا يُرى كفعل شخصي، بل كـ "تنفيذ واجب”.
⸻
5) التراجع في النموّ الأخلاقي
بحسب نظرية Lawrence Kohlberg لتطوّر الحكم الأخلاقي، يتوقّف المتشدد عند المراحل الدنيا:
* الطاعة العمياء
* الخوف من العقاب
* البحث عن الثواب
ويغيب التفكير الأخلاقي القائم على العدالة والحقوق الكونية.
الأخلاق تُستبدل بالتعليمات.
⸻
6) الأداتية الدينية (Instrumentalized Religion)
تُظهر دراسات علم اجتماع الدين أن المتشدد لا يتعامل مع العقيدة كمسار روحي، بل كـ أداة سلطة وضبط اجتماعي.
ولهذا يعادي:
* الفلسفة
* النقد
* السؤال العقلي
لأنها تُهدّد البنية الوهمية التي يستند إليها.
⸻
باختصار :
من منظور علمي–نفسي، المتشدّد الذي يُحلّل قتل المختلف:
* لا يعيش إيمانًا ناضجًا، بل بنية معرفية مغلقة
* لا يدافع عن المقدّس، بل عن هشاشة نفسية وهوية مأزومة
* لا يمارس أخلاقًا، بل طاعة مُفرغة من الإنسانية
إن العنف باسم العقيدة ليس ذروة الإيمان،
بل ذروة الانفصال عن الإنسان.
⸻
مراجع علمية مختصرة (لمن يرغب بالاطلاع):
• Kruglanski, A. W. (2004). The Psychology of Closed-Mindedness.
• Bandura, A. (1999). Moral Disengagement in the Perpetration of Inhumanities.
• Haslam, N. (2006). Dehumanization: An Integrative Review.
• Swann, W. B., et al. (2012). Identity Fusion and Extreme Group Behavior.
• Kohlberg, L. (1981). Essays on Moral Development.
• Horgan, J. (2005). The Psychology of Terrorism.




