العشي يكتب: إلى عمدة عمّان: من سمح بـ "الاحتلال السمعي" لشوارعنا تحت عباءة الدين؟
دعوة لحماية جودة الحياة في العاصمة ومطالبة أمانة عمّان باتخاذ إجراءات واضحة لتنظيم مكبرات الصوت
بقلم: الإعلامي الدكتور محمد العشي
في قلب عمّان النابض بالحياة، بين أحيائها السكنية وأسواقها التجارية، لوحظ مؤخرًا انتشار ظاهرة تركيب مكبرات صوت خارج الإطار الرسمي، تُبث من خلالها الأذكار والعبارات الدينية بصوت مرتفع وعلى مدار اليوم. ورغم النوايا الحسنة ورغبة البعض في نشر الخير، فإن غياب التنظيم قد يخلق تحديات حقيقية لسكينة السكان وجودة حياتهم داخل الأحياء.
الأحياء السكنية تضم أسرًا مختلفة الظروف، بما فيها الأطفال والطلبة وكبار السن والمرضى، ما يجعل الهدوء والسكينة أمرًا أساسيًا، خصوصًا في ساعات الليل أو أوقات الراحة. ومع تكرار الأصوات المرتفعة في بعض المواقع، قد يشعر السكان بعدم الارتياح، ليس اعتراضًا على مضمون ما يُبث، وإنما بسبب تأثير الضوضاء على حياتهم اليومية.
وتؤكد الدراسات أن التلوث السمعي يمكن أن ينعكس على الصحة العامة من خلال اضطرابات النوم، وزيادة التوتر، وضعف التركيز. لذلك، يصبح التعامل مع هذه الظاهرة من منظور حضري وتنظيمي أمرًا ضروريًا، يوازن بين القيم الروحية وحقوق السكان في بيئة هادئة.
ورغم حسن النية، فإن القيم الدينية والأخلاقية نفسها تدعو إلى مراعاة الآخرين وعدم التسبب بأي أذى أو إزعاج. جاء في الحديث الشريف: "لا ضرر ولا ضرار”، والقرآن الكريم يشير إلى الاعتدال في الصوت باعتباره من مظاهر الحكمة والاحترام: "واغضض من صوتك”. فالعبادة تكون أكمل حين ترافقها الحكمة واحترام حقوق الآخرين.
وعن الأمثلة العملية، نحن لا نتحدث عن المساجد أو الأذان الرسمي، بل عن الاجتهادات الفردية:
صاحب محل تجاري يضع مكبر صوت على باب محله يبث القرآن أو الأناشيد طوال ساعات النهار، معتقدًا أنه يجلب البركة، بينما في الواقع يزعج المارة والجيران.
المواطن الذي يركب سماعة خارجية على شرفته أو حديقته، ليبث أدعية أو تلاوات باختياره الشخصي، فارضًا المحتوى الصوتي على عدة بيوت وحارات دون مراعاة خصوصية الآخرين.
إن تحويل الشارع العام أو الحي السكني إلى ساحة بث مفتوحة للاجتهادات الفردية يخلق فوضى صوتية، فتتداخل الأصوات وتتحول السكينة المرجوة إلى ضجيج منفر يزعج السكان. إن "التذكير" الحقيقي يكون بالكلمة الطيبة والسلوك الحسن، وليس بفرض الصوت العالي على الآخرين في أوقات راحتهم أو عملهم.
مسؤولية أمانة عمّان الكبرى
إلى السادة في أمانة عمّان الكبرى، فإن التهاون مع هذه الظاهرة الفردية يفتح الباب أمام فوضى لا يمكن السيطرة عليها. الفضاء الصوتي للشارع والحي هو ملك عام، ولا يحق لأي فرد الاستحواذ عليه، بغض النظر عن طبيعة المحتوى الذي يبثه.
المطلوب تدخل تنظيمي واضح يشمل:
منع صريح: إصدار قرار واضح يمنع تركيب أي مكبرات صوت خارجية موجهة للشارع من المحلات التجارية أو المنازل السكنية، واعتباره تعديًا على الفضاء العام وإقلاقًا للراحة العامة.
حملات تفتيش: توجيه كوادر الأمانة للتعامل مع هذه التجاوزات الفردية وإزالتها، تمامًا كما يتم التعامل مع البسطات العشوائية أو التعديات البصرية.
تكريس الاحترام: تنظيم هذه الممارسات هو حماية للدين من أن يرتبط في أذهان الناس بالضجيج والإزعاج، وحماية لحق المواطنين في أن ينعموا بالهدوء داخل منازلهم.
إن تنظيم هذه المسألة لا يحد من القيم الدينية أو الأنشطة الإيجابية، بل يعزز بيئة حضارية متوازنة تحترم الخصوصية العامة وتراعي احتياجات جميع أفراد المجتمع.
وفي الختام، أود أن أشكر وأثمن جهود أمانة عمّان الكبرى المستمرة في تنظيم الحياة العامة وحماية حقوق المواطنين، وأنا على يقين بأن الإجراءات الواضحة والفعالة ستُتخذ قريبًا لضمان أن تبقى الأحياء السكنية هادئة، وأن تُمارس الشعائر الدينية في أجواء تحترم قدسيتها وراحة الجميع.
Jostar11@yahoo.com




