د. رضا البطوش
في هذا الوطن، الذي صاغته التضحيات، وحمته الإرادة، وبنته القيم قبل المؤسسات، نقف اليوم أمام لحظة تاريخية تتطلب منا جميعاً أن نعيد النظر في مواقعنا من المسؤولية، ومعنى انتمائنا، وعمق التزامنا بمستقبل وطننا الحبيب، نقف في زمنٍ تتسارع فيه التحولات، وتتداخل فيه التحديات، وتشتد فيه الضغوط على الدول والمجتمعات، سياسياً واقتصادياً وأمنياً وثقافياً، زمنٌ لم يعد فيه الاستقرار أمراً مسلّماً به، ولا الوحدة معطىً دائماً، بل مسؤولية يومية تتطلب وعياً، وصدقاً، وشجاعة في مواجهة الذات قبل مواجهة الآخرين.
وفي زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات الإقليمية والدولية، وتتداخل فيه التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، باتت الحاجة ملحّة إلى مبادرات وطنية واعية، قادرة على قراءة المشهد بعمق، واستشراف المستقبل بحكمة، وإعادة بناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع، وفي هذا السياق، تبرز مبادرة معالي الأستاذ الدكتور عوض خليفات بوصفها محطة وطنية فارقة، جاءت في توقيت دقيق، يعكس فهماً عميقاً لطبيعة المرحلة، واستشعاراً مسؤولاً لمتطلبات الحفاظ على تماسك الدولة واستقرارها في بيئة استراتيجية سريعة التغير وبالغة التعقيد، بوصفها نداءً وطنياً مفتوحاً لكل الأردنيين، ودعوة صادقة لإعادة التلاقي حول جوهر الدولة، ومعنى المواطنة، ورسالة الأردن في محيط مضطرب.
إن هذه المبادرة لم تولد من فراغ، ولم تأتي استجابة للحظة عابرة، بل تنبع من تاريخ طويل من الانتماء، ومن إيمان راسخ بأن قوة الأردن لم تكن يوماً في موارده وحدها، بل في إنسانه، وفي تماسك نسيجه الاجتماعي، وفي العلاقة الأخلاقية العميقة التي جمعت الدولة بمواطنيها عبر العقود.
تؤمن هذه المبادرة أن الوطن ليس مساحة جغرافية فحسب، بل عقداً قيمياً جامعاً، يقوم على العدالة، والاحترام المتبادل، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، والشراكة في المسؤولية والمصير، وتؤمن أن المواطنة ليست شعاراً، بل ممارسة يومية، تتجسد في العمل، والالتزام، وحماية السلم المجتمعي، وصون كرامة الإنسان، وتدعو إلى الالتفاف الكامل حول القيادة الهاشمية، التي شكّلت، عبر تاريخها، صمام أمان للوطن، ومرجعية للحكمة، وضمانة للاستقرار، ومظلة جامعة لكل الأردنيين، في أحلك الظروف وأدق المراحل، وترى في الرؤية الملكية السامية خارطة طريق وطنية، تقوم على تعزيز الجبهة الداخلية، وبناء الإنسان، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
تنطلق المبادرة التي يقودها معالي الأستاذ الدكتور عوض خليفات من قناعة راسخة بأن التعددية في الرأي، والاختلاف في الاجتهاد، ثروة وطنية لا تهديداً، وأن الحوار المسؤول هو الطريق الوحيد لإدارة هذا الاختلاف، بعيداً عن الإقصاء، أو التخوين، أو الاستقطاب الحاد، الذي لا يخدم إلا أعداء الوطن ووحدته.
وترى المبادرة في العشائر الأردنية، وفي مؤسسات المجتمع المدني، وفي النخب الفكرية والثقافية، وفي الشباب والمرأة، شركاء حقيقيين في بناء الدولة، وحملة أصيلين لقيمها وهويتها، فالأردن لم يُبنَ يوماً بفئة دون أخرى، بل بجهود الجميع، وتضحيات الجميع، وتؤمن المبادرة بأن الرأسمال الاجتماعي الأردني، المتجذر في ثقافة التكافل والانتماء، يشكّل ركيزة أساسية لأي مشروع وطني جامع.
كما تؤكد المبادرة أن القضية الفلسطينية ستبقى في صميم وجداننا الوطني والأخلاقي، قضية عدالة وكرامة وحق لا يسقط ، ومسؤولية تاريخية لا تقبل المساومة، وأن دعم صمود الشعب الفلسطيني هو جزء لا يتجزأ من هويتنا السياسية والأخلاقية، ومن ثوابت الدولة الأردنية.
إن هذه المبادرة، لا تدّعي امتلاك الحلول الجاهزة، ولا تزعم احتكار الحقيقة، بل تفتح مساحة وطنية للحوار الصادق، والاستماع المتبادل، والعمل المشترك، من أجل معالجة التحديات، وتعزيز الإصلاح، وتطوير الأداء العام، بما يخدم مصلحة الوطن والمواطن، وهي دعوة لإعادة بناء الثقة، وترميم الجسور، وكسر الحواجز النفسية والمعنوية، بين مكونات المجتمع، وبين المجتمع ومؤسساته، ودعوة لإخراج الحوار من دائرة النخبة المغلقة، إلى فضاء وطني مفتوح، يشارك فيه الجميع، دون تمييز أو إقصاء، يلتزم بمبادئ الشفافية، والنزاهة، والاستقلالية الوطنية، ورفض التسييس الضيق، والابتعاد عن المصالح الخاصة، وتقديم المصلحة العامة على كل اعتبار، كما تلتزم بأن تبقى هذه المبادرة مساحة جامعة، لا منصة لتصفية الحسابات، ولا أداة للاستقطاب.
وإننا إذ نلتقي في هذه المبادرة في لحظة وطنية دقيقة، لا تحتمل المجاملة، ولا تقبل التردد، لنؤكد لأنفسنا أولاً، وللعالم من حولنا ثانياً، أن الأردن، بقيادته الهاشمية، وبوعي شعبه، وبوحدة صفه، قادر دائماً على تجاوز التحديات، مهما عظمت، ونؤمن بأن قوة الأردن لا تُقاس فقط بمتانة مؤسساته، ولا بصلابة قوانينه، بل بعمق الوعي لدى أبنائه، وبقدرتهم على تحويل التحديات إلى فرص، والاختلاف إلى تكامل، والقلق إلى طاقة بناء، نلتقي، لا لنستمع إلى خطاباً عابراً، ولا لنطلق مبادرة شكلية، بل لنعلن التزاماً وطنياً صادقاً، ومساراً مسؤولاً، عنوانه: الحوار، وضمّ الصفوف وتعزيز الوحدة الوطنية. لقد علمتنا التجربة، وعلّمتنا الأيام، أن قوة الأوطان لا تُبنى بالقرارات وحدها، ولا بالشعارات وحدها، بل تُبنى أولاً وأخيراً بثقة الناس، وبعمق انتمائهم، وبشعورهم الحقيقي بأنهم شركاء في الوطن، لا مجرد متلقين للسياسات، حيث نعيش اليوم في بيئة إقليمية ودولية مضطربة، تتسارع فيها الأحداث، وتتغير فيها المعادلات، وتُفرض فيها تحديات غير مسبوقة، وفي ظل هذا الواقع، يصبح واجبنا الوطني أن نحصّن بيتنا الداخلي، وأن نعزز تماسك مجتمعاتنا، وأن نغلق كل الأبواب أمام الفتنة والانقسام والتشكيك.
من هذا الوعي، جاءت مبادرة الحوار وضمّ الصفوف وتعزيز الوحدة الوطنية، والتي يقودها معالي الأستاذ الدكتور عوض خليفات، رجلا طالما كان مثالاً للعطاء والتضحية في خدمة وطننا الحبيب وقيادتنا الهاشمية الفذّة، والذي عرفناه دائماً صوتاً للعقل، وضميراً وطنياً حاضراً، ورجلاً جمع بين الفكر والممارسة، وبين الانتماء والرؤية، وبين المسؤولية والشجاعة، إن هذه المبادرة لم تولد من فراغ، ولم تكن ردّة فعل آنية، بل هي نتاج إيمان عميق بأن الأردن يستحق الأكثر، وبأن هذه المرحلة تتطلب منا أن نرتقي بخطابنا، وأن نراجع أدواتنا، وأن نعيد الاعتبار للحوار بوصفه طريقاً للحل، لا ساحة للصراع.
إن هذه المبادرة، تؤكد أن الوطن يجمعنا جميعاً، مهما اختلفت آراؤنا، وتباينت اجتهاداتنا، وتنوّعت مواقعنا، وتؤمن أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للانتماء قضية، وأن التعددية قوة، إذا أحسنّا إدارتها بالحكمة والاحترام، إن هذه المبادرة هي دعوة لإعادة بناء الثقة، وترميم الجسور، وتكريس ثقافة الاحترام، ونبذ خطاب الكراهية، ورفض الإقصاء والتخوين، والانتصار لقيم الدولة، ولمنطق العقل، وللغة المسؤولية، وتدعونا إلى أن نجعل من الحوار سلوكاً يومياً، ومن الوحدة ممارسة واقعية، ومن الانتماء فعلاً ملموساً، لا شعاراً عابراً.
وإلى شباب الوطن أمل الحاضر والمستقبل، ومن موقع الإيمان العميق بقدرتهم على صناعة الفرق، وبأن مستقبل هذا الوطن يُكتب بأيديهم، وبعقولهم، وبإرادتهم، نقول، أنتم تعيشون في زمن سريع، مفتوح، متداخل، مليء بالفرص كما هو مليء بالتحديات، عالمٌ تصل فيه الفكرة إليكم في لحظة، وتُصنع فيه القناعات عبر شاشة، وتُخاض فيه المعارك بالكلمة والصورة قبل السلاح، وفي هذا العالم، يصبح الوعي هو خط الدفاع الأول عن الوطن. إن مبادرة الحوار وضمّ الصفوف وتعزيز الوحدة الوطنية، تراهن عليكم أنتم، على وعيكم، على حكمتكم، على قدرتكم على التمييز بين النقد البنّاء والهدم، وبين الحرية والفوضى، وبين الاختلاف والانقسام، كونوا شركاء، لا متفرجين، صنّاع رأي، لا أتباع شائعان. قادة فكر، لا أسرى منصات، كونوا صوت العقل في زمن الضجيج، وصوت الأمل في زمن القلق، وصوت الوطن في زمن التشكيك. كونوا أصحاب مبادرة، لا ردّة فعل، كونوا بُناة جسور، لا صانعي حواجز، كونوا أوفياء للحقيقة، لا أسرى الانفعالات، فالوطن الحبيب يحتاج طاقاتكم، وأحلامكم، وأفكاركم، وشجاعتكم، يحتاج شباباً يؤمنون بأن الوطن ليس محطة عبور، بل رسالة حياة، نثق بكم، ونراهن عليكم، وندعوكم اليوم لتكونوا في قلب هذه المبادرة، وفي مقدمة صفوفها، وحملة رايتها نحو المستقبل.
نلتقي في هذه المبادرة ونحن نستحضر تاريخاً طويلاً من المواقف المشرفة، التي كانت فيها العشائر الأردنية السند الأول للدولة، والظهير الصادق للقيادة، والركيزة المتينة للاستقرار، أعمدة المجتمع، وحراس القيم، وحملة الإرث الوطني، لقد كان للأردنيين، عبر عشائرهم، دور محوري في بناء هذا الوطن، والدفاع عنه، وصون وحدته، وترسيخ قيمه، ولم تكن العشيرة يوماً بديلاً عن الدولة، بل شريكاً أصيلاً لها، ورافعة اجتماعية لأمنها واستقرارها. إن مبادرة الحوار وضمّ الصفوف وتعزيز الوحدة الوطنية تنطلق من هذا الإرث، ومن هذا العمق، ومن هذا الإيمان بدورهم التاريخي والحاضر والمستقبلي، نحتاج حكمتهم، ونحتاج صوتهم العاقل، ونحتاج حضورهم الجامع، في زمن تتكاثر فيه الأصوات المتطرفة، وتشتد فيه محاولات التفريق، نراهن على دورهم في إطفاء الفتن، وترسيخ ثقافة التسامح، وحماية النسيج الاجتماعي، وتوجيه الشباب نحو الاعتدال والانتماء. نريد للعشيرة أن تبقى مدرسة وطنية، ومصنع قيم، ومنصة وعي، وحصناً للأردن في وجه كل من يحاول العبث بأمنه أو وحدته، ونؤكد أن التفاف العشائر الأردنية حول القيادة الهاشمية كان، وسيبقى، ضمانة لاستمرار الدولة وقوتها وهيبتها، نثق بحكمتها، وبغيرتها، وبصدق انتمائها، وندعوها اليوم لتكون في طليعة هذه المبادرة، وركيزتها الأخلاقية والاجتماعية.
ولأبناء الأسرة الإعلامية، حملة الكلمة، وصنّاع الوعي، وحراس الحقيقة، نقول في هذه المبادرة، مبادرة الحوار وضم الصفوف وتعزيز الوحدة الوطنية التي يقودها الأبن البار للوطن وقيادته الهاشمية الفذّة، معالي الأستاذ الدكتور عوض خليفات، أن المعركة على الوعي لا تقل خطورة عن أي معركة أخرى، وأن الكلمة قد تبني وطناً، كما قد تهدمه، وأن الصورة قد توحّد شعباً، كما قد تزرع فيه الشك والفرقة، ففي زمن الإعلام المفتوح، والمنصات الرقمية، وتدفّق المعلومات دون ضوابط، أصبحت المسؤولية المهنية والأخلاقية أكبر من أي وقت مضى، فالوطن يحتاج إعلاماً صادقاً لا مضللاً، ناقداً لا هداماً، مهنياً لا منحازاً، وطنياً لا متاجراً بالأزمات، يحتاج إعلاماً يفتح مساحات الحوار، لا منصات التحريض، ينقل الحقيقة كاملة، لا مُجتزأة، يعالج القضايا بعمق، لا بانفعال. أنتم شركاء في حماية الوطن الحبيب، وفي ترسيخ الثقة، ومواجهة الشائعات، وتفكيك خطاب الكراهية، وتعزيز ثقافة المواطن، فالوطن يراهن على وعيكم، وعلى مهنيتكم، وعلى انتمائكم، لنكون معاً صوت الوطن العاقل، وصورته المشرقة، ورسالة اعتداله إلى الداخل والخارج.
حفظ الله جلالة مولاي المعظم وسمو ولي عهده الأمين، وأدامه ظلاً ظليلاً وقائداً وسنداً، وأدام علينا نعمة الحكم الرشيد




