حسين الرواشدة
هجمه منظمة ضد رئيس الوزراء الأسبق، عبد الرؤوف الروابدة، أكيد لا علاقة لها بأية دوافع شخصية ؛ حين التزم الرجل الصمت خلال الفترة الماضية لم يذكره أحد بسوء، لكن حين "بقّ البحصة" وفتح صندوق "الأردن المُفترى عليه" ، مدافعاً عنه، تناوشته سهام المتربصين والمتنمرين ،يبدو انه أوجعهم .
وزن الروابدة السياسي ،وما يمثله من رمزية في الذاكرة الأردنية ، حوّل خطابة العام إلى تيار كبير بدأ يتشكل بوضوح ، لا سيما لدى الشباب الأردنيين الذين لم يقرأوا تاريخهم كما يجب ، او لم يجدوا من يقدمه لهم بأمانة ، هنا مربط الفرس، وسرّ الهجمة ، وهنا ، أيضاً، لحظة انكشاف الوعي التي تستدعي جرأة الطرح والمواجهة، ليس دفاعاً عن الروابدة، وإنما عن الأردن : الدولة والهوية والتاريخ ، الحاضر والمستقبل.
لم يخطئ الروابدة حين قال : " الأردن أولاً "لا يتعارض مع الدين أولاً ، أو مع العروبة أولاً، إلا في سياق الترتيبات الوطنية التي تفرضها المواطنة الحقة، لم يخطئ حين قال : لا تجتمع هويتان في وطن واحد لأن النتيجة هي التقسيم والصدام ، لم يخطئ حين قال: الأردن ليس مشروع انتحار ، ولا طلقة في بنادق الآخرين ولا مراكب تمتطيها تيارات أو فصائل للوصول إلى أهداف لا تصب في مصالح الدولة الأردنية ، لم يخطئ حين أعاد كتابة الرواية الأردنية من مصادرها التاريخية الحقيقية ، وبرّأ الأردن من روايات التهميش والحذف ، ومن اتهامات الخذلان ، وزيف ادعاءات الانكفاء و التقصير تجاه الأشقاء.
حين حارب العرب في فلسطين كان الأردن في مقدمة الصفوف ، وحين سالموا كان آخرهم، حافظنا في أسوأ حروبنا ( 1967) على ثلث أراضي فلسطين ، آمنّا بالوحدة وتمسكنا بالعلاقة التاريخية لكن بعضهم كانوا يسمونها احتلالاً ، وحين طلب العرب ومعهم منظمة التحرير الفلسطينية ،بإلحاح ، فكّ العلاقة ( الارتباط) ، ابتلعنا ( الجحود) وأجبنا الطلب ، كنا ، وما نزال، مع القضية الفلسطينية، ندعم صمود الأهل ، ونحمي المقدسات، ونقف مع حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم واستعادة حقوقهم والعودة لأرضهم ،لا ندير ظهورنا ولن نتخلى عن اشقائنا ، لكننا لا نتحمل وحدنا وزر ما حدث ، نحن جزء من أمة ولسنا وكلاء حصريين عنها، نتحرك ضمن إمكانياتنا، ونتصرف بمنطق الدولة لا بمنطق الفصائل والتيارات والشعارات التي تدغدغ العواطف ولا تنتج إلا المآسي والخيبات.
في هذا التوقيت الملغوم بالأجندات المشبوهة ، ثمة من لا يعجبه هذا الخطاب ،ولا يريد أن يسمعه، تصور مجرد أن تقول : أنا أردني ، ضد التهجير والوطن البديل ، فلسطين للفلسطينيين والأردن للأردنيين ، او تقول : أنا أردني لدي هوية وطنية ، وتاريخ ممتد لآلاف السنين، لدي دولة ومؤسسات وانجازات ، أولويات تتقدم على قضايا الآخرين وملفاتهم ، ستجد من يصرخ في وجهك - على الفور- كما صرخوا في وجه الروابدة الآن : أنت إفراز سايكس بيكو ، وناطق باسم الصهيوينة، ثم يطلبون منك أن تصمت وتتبرأ من هذه السرديات، او يحكموا عليك بالخروج من الملة الدينية والقومية والوطنية على حد سواء .
الآن يجب أن نتصارح: لقد" فات الميعاد "، الأردنيون اليوم -كما فعلوا في لحظات تاريخية امتحنت وطنيتهم- طلّقوا صمتهم النبيل ، واستعادوا وعيهم على وطنهم، امسكوا من جديد زمام الجرأة لكي يقودوا مركبهم بأنفسهم ، ويدافعوا عن بلدهم بلا تردد ، ويكشفوا ألاعيب الذين لم يقدموا لأمّتهم إلا الويلات ، ولم يضمروا للأردن خيراً، أو يرونه إلا من النوافذ المطلة على مزارعهم الخاصة، أو مشاريعهم الخبيثة، أو أوهامهم المغشوشة.
لا يخطر ، ابداً، في بال أي أردني يعتز بوطنه ويخشى عليه العاديات أن يجرح وطنية أحد ممن تقاسم معهم البيت والرغيف، او المصير المشترك ، كما لا يستطيع أحد (إلا من مرد على العقوق )أن ينكر ما قدمه الأردن لكل من طرق بابه ؛ضيفاً أو لاجئاً او مستجيراً، الأردنيون دعاة وحدة وعيش مشترك ، لم يخلعوا عباءات العروبة ،ولم يتنازلوا عن قضايا أمتهم ، ولم يتاجرو بها ، يريدون ،فقط ، من المنصفين ان يعترفوا لهم بالفضل بلا شكر ، أن يبادلوهم التحية والاحترام كما يفعلون مع غيرهم، لا يقبلون ان يسيء إليهم أحد إذا أشهروا هويتهم الوطنية ، أو دافعوا عن بلدهم واعتزوا بقيادتهم وجيشهم ورموزهم الوطنية.
ما فعله الروابدة، وقبله وصفي وهزاع وحابس وغيرهم من رجالات الأردن الشرفاء ، هو جزء من واجب الأردنيين ، بل أقل الواجب، تجاه بلدهم الأردن، استدعاء مواقف هذه"الأيقونات" والزعامات الوطنية ، والتذكير بها ، مسألة مهمة وضرورية، لأنها تُلهم أجيالنا معنى وقيمة الوطن ، وترسخ لديهم ثقافة الحفاظ عليه ،والانتماء له ، وحمايته من كيد أعدائه وأحقاد المتربصين به.




