الكاتب الصحفي جمعة الشوابكة
ليست الدبلوماسية ترفًا أخلاقيًا في زمن الصراعات، بل هي أعلى أشكال استخدام القوة دون إطلاق رصاصة. هي إدارة النار لا إطفاؤها، وتوجيه الصراع لا إنهاؤه بالضرورة. في عالم تحكمه المصالح، تصبح الدبلوماسية فنّ الممكن حين يستحيل المطلق، وأداة حصر الأضرار حين يصبح الانفجار خيارًا واقعيًا.
الصراع بين الدول لا يبدأ في الميدان العسكري، بل في غرف التفاوض، وفي رسائل غير معلنة، وفي تحالفات تُبنى بصمت. المساومة ليست ضعفًا، بل قراءة دقيقة لميزان القوى. ومن يفشل في التفاوض، يضطر إلى القتال بشروط غيره. لذلك فإن الدبلوماسية ليست بديلًا عن القوة، بل امتدادٌ ذكيّ لها.
حين يتصاعد النزاع نحو مواجهة عسكرية، تتحرك القنوات الخلفية، ويظهر الطرف الثالث، وتبدأ إدارة التوتر عبر رسائل محسوبة، وضغوط متبادلة، وتنازلات مدروسة. الهدف ليس إنهاء الخلاف دائمًا، بل ضبطه داخل حدود تمنع الانفجار. هنا تولد حالة "اللا حرب واللا سلم”، وهي ليست حالة شلل، بل حالة توازن قلق يحكمه ميزان قوة دقيق.
لكن المشهد الدولي لا تحكمه الدول وحدها. هناك شركات تصنيع السلاح التي تزدهر في زمن التوتر، وهناك سياسات المحاور التي تعيد رسم الخرائط تحت عناوين براقة: مكافحة الإرهاب، حماية الاستقرار، نشر الديمقراطية. وفي الخلفية، تتحرك المصالح الكبرى: النفط، الممرات البحرية، مصادر الطاقة، والأسواق الاستراتيجية. ليست الشعارات هي ما يحرّك الجيوش، بل حسابات النفوذ والموارد.
القوة العظمى لا تدخل النار بيديها، بل تستخدم الملقط. توظّف التحالفات، تفعّل الوكلاء، تضغط بالعقوبات، وتلوّح بالقوة دون استخدامها إلا عند الضرورة القصوى. إنها معادلة "استخراج الكستنة من النار” دون احتراق مباشر. هذه هي المدرسة الواقعية في إدارة الصراعات.
الدبلوماسية الذكية تفهم أن الحرب ليست دائمًا هزيمة للعدو، بل قد تكون استنزافًا للذات. لذلك فإن النجاح لا يقاس بعدد المعارك، بل بعدد الأزمات التي تم احتواؤها. فالدولة التي تتقن قراءة التوازنات، وتحسن بناء تحالفاتها، وتحافظ على قدرتها الردعية، تستطيع أن تفاوض من موقع قوة دون أن تطلق رصاصة.
في زمن إعادة تشكيل النظام الدولي، تتغير التحالفات، وتتبدل المحاور، وتُختبر إرادات الدول. من يفهم قواعد اللعبة ينجُ، ومن يندفع بالشعارات يسقط. فالدبلوماسية ليست لغة المجاملات، بل لغة المصالح المحسوبة، والقوة المقنّنة، والعقل البارد في وجه العاصفة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح: الحرب قرار سهل، لكن الخروج منها أصعب. أما الدبلوماسية، فهي القرار الأصعب، لكنها الطريق الأقل كلفة في عالمٍ لا يرحم الضعفاء ولا يغفر الأخطاء الاستراتيجية.



