القلعة نيوز: كتب الشيخ محمد الزبون الحجايا
كانت تمرّ بي ليالٍ يثقل فيها التعبُ أجفاني،
وأنا على دربِ الرزق أسير،
فيميل بي النعاسُ كأنّه موجٌ يطلبُ قرارًا،
فأتنحّى عن الطريق لحظاتٍ قصيرة،
لا أسمّيها نومًا… بل هدنةُ مُجاهدٍ يستعيد أنفاسه، كوجبة غفوة سريعة،على طريق العمل .
ثم أعود وكأنّ في صدري نارًا تقول: امضِ ولا تتوقف.
وما أشدَّ ما يلين القلب حين يصل أثرُ هذا السعي إلى أهلي،
حين أرسل إليهم ثمرةَ يومي،
فأسمع من دعائهم ما لا يُشترى،
ومن كلماتهم ما يُعيد للروح شبابها،
فأشعر أن التعب لم يكن عبثًا،
وأن العرق حين يسقط في طريق الحلال،
يعود فرحًا في هيئة رضا، وطمأنينة، وامتنان.
إن هذه اللذّة لا يعرفها إلا من ذاق مرارة الطلب،
ومن عرف أن الرزق ليس أمنيةً تُتلى، بل طريقٌ يُمشى،
ولا يُفتح بابُه إلا بقدمٍ لا تتوقف، وقلبٍ لا يلين للكسل.
أما أهل الخمول، فقد حُرموا لذّة الوصول،
لأنهم لم يعرفوا معنى الرحلة أصلًا،
وكيف تُخلق السعادة من عناءٍ صادقٍ يُثمر.
فما أنا ممّن يُسلّم جسدَه للنوم،
ولا ممّن يُطفئ في قلبه شهوةَ السعي؛
بل أنا رجلٌ إن أثقله التعبُ… زاده إصرارًا،
وإن داهمه السهرُ… زاده يقظةً للغد.
إنها حياةٌ بين كفّتين:
كفّةُ تعبٍ يُنجب كرامة،
وكفّةُ راحةٍ تُنجب فراغًا.
وأنا اخترتُ الأولى، لا لأنها أسهل…
بل لأنها أصدق.
فيا من تثقله الأيام،
لا تجعل التعب عذرًا للتوقف،
بل اجعله دليلًا أنك ما زلت حيًّا…
وأن فيك قلبًا خُلِق ليصل، لا ليقف،
وروحًا خُلقت لتسعى، لا لتنام عن الطريق.




