د. محمد عبد الحميد الرمامنه
يبرز التساؤل الجوهري حول جدوى المنظومة الحزبية الحالية في ظل صعود أجيال جديدة (Z) و(ألفا)، التي تتشكل هويتها في فضاء رقمي مفتوح يتجاوز الحدود والولاءات التقليدية. إن هذه الأجيال التي تتقن لغة البرمجيات والذكاء الاصطناعي وتعيش في عوالم الميتافيرس، تجد نفسها اليوم أمام عروض سياسية متهالكة لا تزال ترتكز على رمزية المنسف والولاءات الشخصية، مما ينذر بطلاق بائن بين وعي رقمي متحرر وبين واقع حزبي يعيش في جلباب الماضي. إن المحاولات الراهنة لـ تأطير الشباب ضمن هياكل ورقية تفتقر للروح المؤسسية، تجعل من الانخراط الحزبي مجرد عبء إضافي لا يقدم حلولاً لتحديات الهوية والحصانة الرقمية، ويبقى الفشل في بناء جسور ثقة حقيقية هو السمة الأبرز للمشهد السياسي العام.
إن جيل ألفا الذي يراقب العالم بضغطة زر، لا يمكن إقناعه بصكوك الغفران السلطوية أو الولاءات النفعية الضيقة التي تكرسها النخب الحالية؛ فالمنطق الرقمي يقوم على الأداء والنتيجة، بينما يقوم المنطق الحزبي الحالي على الاستعراض والتبعية. وهذا التناقض الصارخ يؤدي إلى حالة من الاغتراب السياسي المبكر، حيث يرى الشباب في الأحزاب مجرد ديكورات لا تملك القدرة على تغيير واقع التعليم أو توفير فرص عمل عادلة تقوم على الكفاءة لا على المحسوبية. إن الاستمرار في إنتاج سياسة معلبة تخاطب الماضي لن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة، ويبقى الرهان على استقطاب هذه الأجيال خاسراً ما لم تتغير العقيدة الإدارية التي تحكم المؤسسات السياسية والتعليمية على حد سواء.
إننا بحاجة إلى لغة سياسية جديدة تحترم ذكاء جيل (Z) وتطلعات جيل (ألفا)، وتنتقل من التلقين والتوجيه الفوقي إلى التشارك الحقيقي في صنع القرار. إن بناء أحزاب برامجية رقمية وشفافة هو الممر الوحيد لمنع هذا الجيل من الهجرة نحو الانطواء السياسي أو البحث عن انتماءات بديلة خارج حدود الوطن. إن التحدي الأكبر يكمن في قدرة الدولة على تحديث الوعي قبل تحديث القوانين، وخلق بيئة تحفز المبادرة وتكافئ التميز بعيداً عن صراعات النخب التقليدية التي استنفدت خياراتها. وبدون هذا الانقلاب في المفاهيم، سوف نكتشف أننا نبني أحزاباً بلا جمهور، ويبقى جيل المستقبل يبحث عن وطنه الرقمي بعيداً عن مسرحياتنا السياسية المكررة.




