القلعة نيوز:
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتبهت فيه الذاكرة، يبرز اسم محمد يونس العبادي
بوصفه أحد القلائل الذين لم يكتفوا بقراءة التاريخ، بل أعادوا كتابته من منابعه الأولى، من الوثيقة، من الأثر، من الرواية التي كادت أن تُنسى.
ليس العبادي مجرد باحثٍ في التاريخ، بل هو مشروعٌ وطني متكامل، كرّس حياته لاستنطاق الوثيقة، وحمايتها، وإتاحتها، إيماناً بأن الأمم التي لا تحفظ ذاكرتها، تفقد قدرتها على فهم ذاتها. ومن هنا، لم تكن مسيرته البحثية عملاتقليدياً، بل كانت مسيرة واعية من أجل الحق في المعرفة، ومن أجل أن يبقى التاريخ ملكاً للجميع لا حبيس الأدراج.
من موقعه مديراً عاماً لدائرة المكتبة الوطنية (سابقاً )، ثم مفوضاً للمعلومات، قاد جهداً حثيثاً لإقرار قانون الوثائق الوطنية، الذي صدر عام 2017م، ليشكّل نقطة تحوّل في حماية الذاكرة الأردنية، بعد أن كانت الوثائق رهينة الادراج . فهذا القانون وفر البيئة الحمائية للوثيقة الوطنية من الاتلاف والمحافظة عليها كونها لسان التاريخ
لكن الأثر الأعمق للعبادي يتجلى في مشروعه البحثي الواسع، الذي امتد على عقود، وترك خلاله مكتبةً غنية تُعد من أهم المراجع في التاريخ الأردني والعربي الحديث. ففي كتابه "عهدة الطالب في نسب آل أبي طالب”، أعاد قراءة الأنساب ضمن سياق علمي موثّق، بينما قدّم في "أوراق الملك فيصل” و*"مذكرات الملك فيصل الأول”* مادة تاريخية نادرة، كشفت جوانب غير مسبوقة من سيرة الملك ودوره في تشكّل الدولة العربية السورية الحديثة.
أما في "أوراق المغفور له الشريف حسين بن علي”، والرحلة الملوكية الهاشمية للشريف حسين بن علي، والبيعة بالخلافة للشريف حسين بن علي بن عون” ، فقد أعاد العبادي بناء سردية الثورة العربية الكبرى من داخلها، مستنداً إلى الوثيقة لا الرواية الشفوية، مقدّماً بذلك قراءة أكثر دقة وعمقاً.
ولم يقتصر اهتمامه على الشخصيات، بل امتد إلى المكان والتاريخ العام، كما في "بحوث في بلاد الشام في العصر الأموي، وبحوث في تاريخ بلاد الشام في العصر العثماني، حيث قدّم دراسات علمية رصينة أعادت تسليط الضوء على مراحل مفصلية في تاريخ المنطقة. وفي "منازل التاريخ وبيوت السياسة”، جمع بين السرد التاريخي والتحليل السياسي، في عملٍ يعكس نضجاً فكرياً لافتاً.
كما وثّق العبادي الذاكرة الهاشمية بصرياً وتاريخياً في أعمال مشاركة مثل "الهاشميون والقدس في صور” والأضرحة الملكية الهاشمية، مقدّماً مادة تجمع بين التوثيق والصورة، وبين التاريخ والوجدان.
ولعل ما يميز مشروعه أيضاً تنوّعه وثراؤه، إذ تناول شخصيات بارزة في التاريخ الأردني، مثل أوراق الشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه،مفجر الثورة العربية الكبرى وأمين الأمة في نهضتها الأمير شاكر بن زيد خوي الملك المؤسس، والاميررعد بن زيد، إلى جانب كتابه "الرحلة الملوكية من مكة إلى عمّان"، الذي يوثّق واحدة من الرحلات ذات الدلالات السياسية والتاريخية المهمة.
وفي كتابه "مدارج نهضة ومطالع أمة”، يبدو العبادي أكثر قرباً من الهمّ النهضوي، حيث لا يكتفي بالتأريخ، بل ينخرط في سؤال المستقبل، رابطاً بين الوعي بالتاريخ وإمكانية بناء نهضة حقيقية.
لقد أدرك المؤرخ الكبير سليمان الموسى قيمة هذا المشروع مبكراً، حين أشار إلى أن ما قدّمه العبادي من مادة وثائقية يُعد من الاكتشافات النادرة التي لم يسبق لها مثيل خلال عقود من البحث، وهو تقدير يعكس حجم الجهد المبذول وفرادته.
ابن ماحص، لم يكن مجرد شاهد على التاريخ، بل صانعاً لذاكرته. حمل الأردن في فكره، وامتدّ به إلى الفضاء العربي، مؤمناً بأن الهوية لا تُبنى بالشعارات، بل بالمعرفة الموثّقة.
وحين غادر موقعه الرسمي، لم يغادر رسالته. بقي وفياً لنهجه، مستحضراً روح رجال الدولة الكبار، وفي مقدمتهم وصفي التل، في معنى الالتزام والانتماء، حيث الوطن ليس وظيفة، بل عهد،وأستحضر بأستقالته صدى كلمات الشهيد وصفي التل:
"سيجدني الوطن دائماً وأبداً الوفي له، والمتفاني في خدمته، وإذا ما جدّ الجد وجبت التضحية بالأنفس والأولاد."
هكذا هم أبناء الأردن؛
من مضى منهم ومن بقي،
ذاكرةٌ حيّة من الوفاء،
ونموذجٌ للإنسانية والأخلاق والانتماء.
محمد يونس العبادي ليس مجرد اسم في سجل الباحثين، بل هو ذاكرةٌ وطنية عروبية تمشي على الأرض، وضميرٌ ثقافيٌ ظلّ منحازاً للحقيقة، ومشروعٌ مفتوحٌ على الأجيال القادمة، ليبقى
وفياً لمشروعه كتابة تاريخ الاردن وشعاره (الاردن وجد ليبقى).
أمل محي الدين الكردي



