شريط الأخبار
*استقالة "فارس العدالة".. عبد الحميد السحيمات: حين يترجل المخلصون والوفاءُ شاهد* الرجال يُعرفون بالحق... روسيا تعلن رسميا نجاح عقار جديد لعلاج السرطان .. ومريض يتلقى أول جرعة تصريحات ياسمين صبري عن تغذية جسدها تشعل مواقع التواصل (فيديو) تعرف على موعد تحسن الأجواء وعودة الطقس المشمس في الاردن لصعوبة نقله خارج البلاد .. 3 حلول بديلة للتخلص من النووي الإيراني شؤون الأسرى والمحررين: تحركات شعبية ودولية لوقف قانون إعدام الأسرى والضغط لإلغائه انسحاب الفنان سلوم حداد من بطولة مسلسل “اليتيم” ويكشف عن السبب كيا الأردن تحتفي باليوم العالمي للتوحد بفعالية حوارية تعزز الوعي المجتمعي "الإعلام النيابية" تبحث دور الإعلام في مواجهة الشائعات ماكرون يرد على ترامب: تصريحاتك عن "صفعة زوجتي" غير لائقة "فلسطين النيابية" تلتقي أعضاء الحملة الدولية للدفاع عن القدس مكافحة المخدرات تُحبط محاولة شبكة جرمية تصنيع مادة الكريستال جمعية بيت المقدس الخيرية توزع مناصبها الإدارية (اسماء) مكافحة المخدرات تُحبط محاولة شبكة جرمية تصنيع مادة الكريستال الأردن يشارك باجتماع وزاري بشأن التطورات المتعلقة بمضيق هرمز "الإفتاء": النصوص الشرعية تؤكد حرمة الاعتداء على النفس "الصناعة" تحرر 1101 مخالفة وتستقبل 399 شكوى خلال شهر آذار إعلان إلى مساهمي بنك الاستثمار العربي الأردني لحضور اجتماع الهيئة العامة العادي "فلسطين النيابية" تلتقي أعضاء الحملة الدولية للدفاع عن القدس

"ملحمة علهامش" ليوسف غيشان .. روايةٌ أخرى لتاريخ الأردن

ملحمة علهامش ليوسف غيشان .. روايةٌ أخرى لتاريخ الأردن
القلعة نيوز-

يستعيد الكاتب الأردني يوسف غيشان يوماً من أيام سبتمبر/ أيلول 1970؛ الشهر الذي حدثت فيه الصدامات بين القوات المسلحة الأردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، في مشهدين يختتم بهما روايته الأولى "ملحمة علهامش" (الدار الأهلية للنشر والتوزيع، 2025). تكذب الأم للمرة الأولى أمام أبنائها حين أقسمت للجندي الذي يقرع باب البيت، بأن جارهم أبا يونس ليس فدائياً حتى تجنّبه الاعتقال، ثم تعود في المساء تطلب المغفرة وهي تركع بخشوع قرب صورة السيدة العذراء، التي تلألأت بين جفنيها دمعة.

الدمعة التي تعني الكثير، وتفسّر دون أن تفصح وقائعَ ذاك العام التي لم توثق برواية متكاملة، مثل العديد من الأحداث الكبرى التي مرّت في تاريخ الأردن الحديث، وأراد غيشان تسجيل سرد أدبي موازٍ كما يقول في حديثه لـ"العربي الجديد" "عبّرتُ عن هلعي الشديد من هذا النسيان أو التشويه للماضي، كما أوضحت الرسالة المرفقة داخل الرواية. ويمكن اعتبار الرواية صرخة مدوية في مواجهة وباء زهايمر وطني عام يحاول اجترارنا جميعاً".

في هذه الرسالة التي يوجّهها لنفسه، يشير إلى أن الناس كانوا يجتمعون حول النار ويتناوبون على قص الحكايات لتفادي الخوف من الظلمة، وهو يكتب روايته اليوم ومصدر خوفه هو النسيان. ويضيف "أن ننسى نحن كيف كنا، وأن ينسى الأبناء والأحفاد كيف عاش الأجداد، لذلك حاولت ممارسة التوثيق الفني، لعلي أقدم لنا وللأجيال القادمة مشاهد سينمائية عن كيفية عيشنا وتعاطينا مع أنفسنا ومع غيرنا، وكيف انتصرنا على الفقر والجهل والقمع بأدوات بدائية وشبق هائل للحياة".

تخلّص من التثاقف في سرد الأحداث وتعامل معها بـ"عقلية الطفل"

تُبنى الرواية على سرد متوالد من الحكايات/ المذكرات، أحياناً لا تُنظّمها سوى البيئة أو الفضاء الذي يحتضنها، وأحياناً هي حكاية تذكر بأخرى فيتناسل الحكي. في النهاية حكايات بسيطة لكن غير مألوفة أن تخرج في تعريتها إلى حد بعيد للمسكوت عنه، أو كشفها ذلك الساذج والبريء في طرائق تفكير الناس وسلوكياتهم. يحدث ذلك بالتقاط عميق للمفارقة، وفهم للتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية دون تكلّف في سردها، وكذلك برغبة في "الفضح" إن جاز التعبير. يبيّن غيشان "خلال كتابتي للمقالة اليومية الساخرة في العديد من الصحف، كنت أستخدم الحكاية بشكل عام، ومنها الحكايات والأحداث التي حصلت معي أثناء مراحل صغري (وليس طفولتي)، أو تلك التي سمعتها أو عايشتها، وقد لاقت تلك الحكايات استحسان القراء، مما شجعني على نبش ذاكرتي والحفر في صخور النسيان والتناسي".

ويتابع "هذه الحكايات والذكريات والمرويات تحولت إلى لدايا (حجارة) وضعت فوقها طنجرة المعاناة، وطبخت هذه المكونات، على نار العبث، فخرجت هذه المتوالية القصصية التي قد يمكن تسميتها رواية على سبيل التساهل معي، بصفتي كائناً ساخراً في الكتابة، كما في الحياة العادية".

نمرّ في العمل على أحداث كبرى وشخصيات معروفة في التاريخ الأردني، لكن تأخذ مكانها الطبيعي في العمل، وتُروى من منظور الناس البسطاء، ومنها مجيء الشاعر مصطفى وهبي التل (عرار) إلى مدينة مادبا الأردنية (مسقط رأس الكاتب) عام 1930، برفقة أرامل الشهداء الثلاثة؛ محمد جمجوم، وفؤاد حجازي، وعطا الزير، بهدف جمع تبرعات للثورة الفلسطينية، أو ملاحقة الأحزاب اليسارية خلال فترة الأحكام، أو تعريب الجيش الأردني عام 1956 الذي لم يكن حدثاً رئيسياً في السرد، بل جرى التركيز على الفتنة التي وقعت في مادبا في الفترة نفسها على خلفية دينية. يلفت غيشان إلى أن هذه الشؤون الصغيرة والكبيرة، هذه التفاصيل المضحكة والمبكية يحصل ما يشابهها في الكثير من البلدات الصغيرة في العالم العربي، على الأقل، لكنه تخلّص من التثاقف في عرضها، وتعامل مع الأمر بـ"عقلية الطفل"، موضحاً أن المسودات الأولى من الكتاب استخدمت لغة طفولية محدودة المفردات، لكن الفكرة لم تصل إلى الأصدقاء واعتبروا هذه "الخربشات" فقيرة وبسيطة، لذلك أُجبر على تأثيث النص بمفردات لم يكن في مقدور الطفل استيعابها في ذلك العمر الذي كُتب فيه المذكرات.

"نمرّ في الرواية على أحداث وشخصيات معروفة في التاريخ الأردني"

كتَب غيشان القصة والمقال الساخرين منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وكرّس لهما معظم تجربته، لكنه تعامل مع السخرية على نحو مختلف في هذه التجربة، حيث الحياة البائسة والفقيرة والمليئة بالإكراهات تُظهر حجم المفارقة في نهاية قصّها، فتترسم النكتة التي تواري ألماً أو إحساساً بفداحة الموقف/ والوجود بشكل أعم.

يرى غيشان أنه لم يرصد اختلافاً، وجلّ ما في الأمر أن كل لون من ألوان الأدب له شروطه وميزاته الخاصة التي تتداخل وتتمايز مع الشروط الأخرى لأنواع الفنون المختلفة، مضيفاً "بالتأكيد فإن للرواية شروطها المختلفة عن المقالة اليومية، فهي تتطلب جهداً فنياً ولغوياً أعلى، وتتطلب التعامل مع الكثير من الشخصيات المتداخلة والمتناحرة أحياناً، وربما تتطلب تخطيطاً وأهدافاً تكتيكية وأخرى استراتيجية، بينما المقالة الصحافية تتعامل مع حدث أو موقف يتطلب رداً آنياً ومجابهة فورية وانخراطاً وممارسة فعلية يومية حية ومباشرة، وهذا ما لا تحتاجه الرواية".

وعند سؤاله عن بدايات الكتابة في مكان قصي ومهمل بعيداً عن العواصم، يجيب غيشان "تخيل طفلاً ضئيلاً فقيراً من أسرة فقيرة ومعدمة، صراعها الدائم يقتصر على توفير لقمة العيش اليومي. هذا الطفل يبحث بجدية عن مكان وعن مكانة في هذا العالم الصعب. ذكي نسبياً وحساس، لكن لا مكان له في عالم الرياضة، لا يتسم بالوسامة ولا هو قريب منها، كل ما كان يجيده هو السخرية، وإطلاق العبارات التي تُضحك الآخرين، يطلقها تارة لأسباب دفاعية، وطوراً لأسباب هجومية، في الواقع السخرية كانت سلاحه الوحيد في مواجهة بؤسه الخاص".

ويكمل حديثه بأن هذا الفتى أُتيحت له فرصة في السبعينيات من القرن المنصرم، حيث افتتح خاله، المثقف الشيوعي (سامي النحاس) بعد خروجه من سجن الجفر الصحراوي مكتبة في مادبا، وصار الفتى "بيّاع جرايد ومجلات" ينادي عليها في الحارات والأزقة، ويقضي بقية يومه في قراءة الكتب (مجانا طبعاً)، ولم ينه عامه الثامن عشر، إلا وكان قد قرأ مئات من الكتب والروايات الكلاسيكية العربية والمعرّبة في ذلك الوقت. هذا ما ميزه عن الآخرين ومنحه بعض الثقة بنفسه، واستطاع بواسطة المطالعة المكثفة أن يصقل موهبة أدبية، ويصدر ديوانه الشعري الأول عام 1983 ثم الثاني عام 1987، لكنه تحول بداية التسعينيات، وبعد أن قضى ستة أشهر في الزنازين خلال أحداث إبريل/ نيسان 1989 (التي ألغيت على أثرها الأحكام العرفية في الأردن) إلى كاتب ساخر "مشاغب"، بدأ في الصحف الحزبية ثم انتشر محلياً بسرعة. يختم غيشان "لم أختر هذه الطريق، لكن الطريق اختارتني".

(العربي الجديد - محمود منير)