شريط الأخبار
الحجايا تفتح ملف تصاريح العمالة الوافدة وتمطر وزارة العمل بحزمة من الأسئلة البرلمانية ملامح تعديل وزاري ثان يلوح في أفق حكومة جعفر حسان دمشق تعلن عن زيارة مرتقبة لماكرون إلى سوريا الأميرة غيداء تفتتح مركز الكشف المبكر الجديد لمركز الحسين للسرطان البكار: سأنشر تفاصيل الاستقالة بعد مغادرة الحكومة رسميا عودة نقاشات قانون الضمان الاجتماعي بعد الاطاحة بوزير العمل ضغط على الخلايلة للترشح لرئاسة النواب .. والنائب يقرأ المشهد مشاهد مأساوية وعودة آمنة : شهادات أردنيين بعد إجلائهم من فنزويلا حركتك الإيجابية.... الوزير البكار: سأبقى جندياً مخلصاً للدولة والحكومة السفير الفنزويلي: مواقف الأردن الإنسانية ستبقى راسخة في ذاكرة الشعب الفنزويلي أجواء صيفية معتدلة حتى الأربعاء *"من مجانية المجد إلى تجارة العبيد": من قتل التعليم الحكومي في الأردن؟* عمان الاهلية... عندما تنافس جامعة أردنية نخبة العالم في لقاء وطني حاشد بمحافظة إربد .. الدكتور خليفة أبو عاشور يستضيف معالي الدكتور عوض خليفات بمبادرته الوطنية الأردن يُجلي 21 مواطنا أردنيا من فنزويلا الفايز يدعو بقمة رؤساء البرلمانات الى مواجهة تحدي الذكاء الاصطناعي اختتام فعاليات التمرين العسكري المشترك بين الأردن وليبيا العراق: حكم باسترداد أكثر 1.7 مليار دولار من مدان هارب في الأردن ترامب: قد أجتمع مع نتنياهو بعد أيام

الجاهزية أولاً

الجاهزية أولاً
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

تفرض اللحظة الإقليمية الراهنة إيقاعها الثقيل على الدول التي تدرك أن الأمن لم يعد مفهوماً عسكرياً صرفاً، بل منظومة متكاملة تبدأ من الغذاء ولا تنتهي عند الطاقة والدواء. تتكاثف التهديدات بصورة غير مسبوقة، وتتشابك الأزمات الجيوسياسية بما يجعل من القدرة على التنبؤ خيارا لا تملكه الدول التي تتأخر في بناء جاهزيتها. يقف الأردن أمام اختبار دقيق يتطلب انتقالاً سريعاً من منطق إدارة الأزمات إلى منطق استباقها، ومن رد الفعل إلى الفعل المنظم المبني على سيناريوهات متعددة ومتكاملة.

تؤكد التجارب العالمية أن الدول التي نجت من صدمات سلاسل الإمداد لم تكن تلك التي امتلكت الموارد الأكبر، بل التي أحسنت إدارة مخزونها الاستراتيجي ورفعت من كفاءة مؤسساتها في التنسيق والتكامل. تشير تقارير البنك الدولي إلى أن اضطرابات سلاسل التوريد العالمية خلال الأزمات تؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار الغذاء والطاقة، ما ينعكس مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. كما يحذر برنامج الأغذية العالمي من أن الأمن الغذائي لم يعد قضية إنتاج فقط، بل قضية وصول واستدامة وقدرة على الصمود أمام الصدمات.

تفرض هذه المعطيات على الحكومة الأردنية تبني نهج دولة متكاملة تتعامل مع الأمن القومي بمنظور شامل. يتطلب ذلك أولاً تعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية وفق معايير زمنية مرنة لا تقل عن عدة أشهر، مع تطوير أنظمة ذكية لإدارة المخزون تعتمد على التنبؤ بالطلب وتغيرات السوق. كما يستدعي الأمر إعادة تقييم سلاسل التوريد الحالية وتنويع مصادر الاستيراد لتقليل الاعتماد على مسارات جغرافية محددة قد تتأثر بأي تصعيد إقليمي.

يبرز قطاع الطاقة كأحد أكثر الملفات حساسية في ظل التوترات الراهنة. يصبح من الضروري تسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المحلية والمتجددة، ليس فقط كخيار اقتصادي، بل كخيار سيادي يعزز استقلال القرار الوطني. كما ينبغي تطوير خطط طوارئ تضمن استمرارية الإمدادات في حال حدوث انقطاعات مفاجئة، بما في ذلك تعزيز قدرات التخزين وإدارة الطلب بكفاءة.

أما القطاع الصحي، فيتطلب رؤية أكثر عمقاً تتجاوز توفير الأدوية إلى بناء قدرة وطنية على التصنيع الدوائي، وتطوير سلاسل إمداد محلية قادرة على الصمود. أثبتت الأزمات السابقة أن الاعتماد الكامل على الخارج في هذا القطاع يمثل نقطة ضعف استراتيجية، ما يستدعي تحفيز الاستثمار في الصناعات الدوائية والبحث العلمي المرتبط بها.

وكنا قد نبهنا في أوقات سابقة إلى ضرورة التحرك المبكر بعيداً عن ردود الفعل المتأخرة، وهو ما يستدعي اليوم ترجمة هذا الوعي إلى إجراءات عملية تتسم بالهدوء والحزم في آن واحد. يتطلب ذلك تبني خطة طوارئ حكومية تُدار بكفاءة عالية حتى دون إعلان رسمي واسع، لتجنب أي سلوك استهلاكي مفرط أو اندفاع غير محسوب نحو تخزين السلع من قبل المواطنين. إن إدارة المرحلة تقتضي سلوك دولة رشيدة تضبط الإيقاع الاقتصادي وتمنع التشوهات في السوق، من خلال تفعيل أدوات الرقابة، وضبط الأسعار، وتأمين انسيابية الإمدادات. كما يستدعي الأمر الانتقال المؤقت إلى نمط يشبه اقتصاد الطوارئ، حيث تُعاد ترتيب الأولويات الوطنية، وتُوجه الموارد نحو القطاعات الحيوية، وتُتخذ قرارات حاسمة تضمن استمرارية الخدمات الأساسية، إلى أن تتضح معالم المرحلة وتتبيّن اتجاهاتها.

في موازاة ذلك، لا يمكن إغفال البعد الاجتماعي والاقتصادي للأزمة. يتطلب الحفاظ على الاستقرار الداخلي سياسات استباقية تحمي الفئات الأكثر هشاشة من آثار التضخم وارتفاع الأسعار. يصبح الدعم موجهاً وذكياً، ويعتمد على بيانات دقيقة تضمن وصوله إلى مستحقيه دون هدر. كما يتطلب الأمر تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة من خلال الشفافية في عرض التحديات والإجراءات المتخذة.

تتحول التكنولوجيا في هذا السياق إلى أداة حاسمة لتعزيز الجاهزية، من خلال بناء أنظمة إنذار مبكر تعتمد على تحليل البيانات، وتطوير منصات رقمية تتيح اتخاذ القرار بسرعة وكفاءة. كما تساهم في تحسين إدارة الموارد وتنسيق الجهود بين مختلف المؤسسات.

تؤكد اللحظة الراهنة أن التردد في اتخاذ القرار قد يكون أكثر كلفة من اتخاذ قرار غير مكتمل. تحتاج الدولة إلى حسم استراتيجي يضع الأمن الوطني في مقدمة الأولويات، ويترجم ذلك إلى إجراءات تنفيذية واضحة ومحددة زمنياً. إن امتلاك احتياطات معقولة لا يكفي في عالم سريع التقلب، بل يجب تحويل هذه الاحتياطات إلى منظومة مرنة قادرة على التكيف والاستجابة.

تملي المسؤولية الوطنية أن تتحرك الحكومة اليوم قبل الغد، وأن تبني نموذجاً يحتذى في إدارة الأزمات يقوم على التكامل والابتكار والاستباق. لا تنتظر الأزمات إذناً كي تتصاعد، ولا تمنح الدول وقتاً كافياً للتردد. ومن هنا، يصبح الاستثمار في الجاهزية ليس خياراً، بل ضرورة وجودية تضمن للأردن عبور هذه المرحلة بثبات وثقة، وتحفظ له استقراره في عالم تتزايد فيه المخاطر وتتقلص فيه هوامش الأمان.