القلعة نيوز:
لا يُمكن للمؤرخ أو الباحث في الشأن الأردني أن يغفل عن "السر الهاشمي" الذي جعل من الدولة الأردنية نموذجاً فريداً في الاستقرار والالتحام الشعبي. هذا السر يكمن في مدرسة سياسية فريدة، أرسى دعائمها الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين، ويسير على خطاها اليوم، بذات العزم والقرب، جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين -حفظه الله.
قبل أن نبحر في تفاصيل اللقاء، لا بد من الوقوف للتعريف بكاتب هذه السطور؛ الأديب والشاعر عبد المجيد السالم المرعي الحياري (أبو سالم). وُلد في مدينة السلط عام 1914، وكان من طلائع الحركة الكشفية في المملكة، حيث ُسجل له أنه كان أول كشاف في الأردن ضمن "كشافة التجهيز - السلط" التي تشكلت عام 1925م.
تلقى "أبو سالم" تعليمه في مدرسة السلط الثانوية، وفي مقتبل شبابه نال شرف مقابلة الملك المؤسس ضمن وفدٍ من الشباب، وهو اللقاء الذي صاغه ببراعة لغوية فذة، ليعمل بعدها أستاذاً قديراً للغة العربية ومربياً للأجيال، وناشراً لفكره ونبضه الشعري في كبرى الصحف والمجلات في حينه منها (الدفاع، الأردن، الدستور، وفلسطين) ...الخ، وظل مرابطاً بقلبه وقلمه حتى انتقل الى رحمة الله تعالى في عام 1988، تاركاً إرثاً من الأدب .
دون ابو سالم بين سطور في جريدة نشرت عام 1946م لقاء رغدان وقال : "من وحي رمضان.. بين يدي جلالة الملك."
"في يوم عز من بداية هذا الأسبوع حظيت بشرف المثول بين يدي صاحب الجلالة مولانا الملك عبد الله بن الحسين أيد الله ملكه. وقد شاء عطفه السامي أن يشبع الحديث إيناساً وغبطة فاستمر بنا المقام قرابة العشرين دقيقة أو تزيد، كان جلالته خلالها يتدفق مشرقاً بهدي محمد وحكمة علي، منوراً ما منّ به علينا من وعظ وإرشاد ونصح وسداد، إلى شيخ وقور كنا وإياه نحمل بين أردانه ساذجة الصلحاء وقلب الأوفياء. ثم ينثني جلالته وهو يحدث يمنة ويسرة مرفقاً هذه الشرعة القويمة بنظرات يشع منها نور سديد؛ فلا يسعنا في تلك اللحظات الغاليات إلا أن نقضي إجلالاً لمهابته الفطرية التي انبعثت منها بأفصح لغة وأسمح تعبير عن المعنيين الدينية والزمنية.
ولا سيما وأن جلّ ما تفضل به جلالته كان دستوراً أبداً إلى الشباب وقد كنا شباباً ثلاثة وشيخنا الوقور المذكور. قال سليل الدوحة النبوية الطاهرة :(وكان يلوم ابن ذلك الوجيه وهو موظف في العاصمة الأردنية يشغل منصباً يرمق)
لما لم نره بين زمرة الشباب الذين يغدون علينا في كل سانحة ومناسبة فنسمع آراءهم ونستطلع أخبارهم ونزودهم بزاد الدارين؟ (إننا لم نكن يوماً من الأيام في معزل عن شعبنا، والناس تقابل من يود أن يرانا، ونصغي لمن يحدثنا، ننصف المظلوم وندحر الغشوم).
وقد استطرد الواعظ بشريعة جده النبي العربي الهاشمي صلوات الله عليه ، موجهاً حديثه إلى رفيقنا -جـي (بأبنك ليتعظ وننصحه فإني أرغب هذه الفئة العاملة). فانظروا يرعاكم الله إلى ديمقراطية حفدة محمد وإلى تواضع ورثة محمد صلى الله عليه وسلم وأعز العرب والإسلام بحفيده عبد الله.
وكما فهمت من كاتبنا من خلال ما كتب كان ينصح الشباب وتحليلي للكلمات كتبها وحاولت اعادة الصياغة فيها للوضوح والمعنى :
لهذا فيا أيها المخلصون الشباب الذين تحملون فوق كواهلكم عبئاً ومسؤولية عظمى، أسوق إليكم هذه الكلمة لتثقوا يقيناً بربكم، وليعلموا وكيداً فوق ما تعلمون أن ملاذنا الأسمى الذي تلتف حوله القلوب، والركن الوثيق الذي نستند إليه في صياغة آمالنا، والقبلة الوطنية التي تتجه إليها طموحاتنا، هو (رغدان) العامر بسيد العرب والأردن ووارث القضية ومذكي روح الحمية العربية الإسلامية...وقد أكمل كاتبنا في مقاله وقال :وقد حضرتني قبل أن يجف القلم مؤذناً بأن لهذه الكلمة التي أوحى بها حديث جلالته لنا وبالغ أثره في نفوسنا أبيات قلتها:
عج بعمان وانظر فضل مولانا ... كيف الأيادي تفيض اليوم إحسانا
وكيف أصبح شعب العرب معترفاً ... بفضله ألجم إقراراً وإيمانا
وكيف طارت إلى الأجواء صاعدة ... مكارم الليث تمل اليوم كيوانا
سل عنه وإن كنت قد قاصدتك شاغلة ... عوالم الكون تمجيداً وإعلانا
تنبئك أن عميد البيت سيدنا ... وسيد الخلق طراً بات يرعانا
ومن يكن غير تواق لخدمتكم ... من قلبه كان عند الله شيطانا
قد خصهم رب هذا الكون حيث أتت ... بذكركم آي كتب الله أزمانا
إلى أن قلت:
أبا طلال لقد بانت مبادئنا ... أنا اتخذنا لنا الإخلاص عنوانا
فاهنأ عظيماً مطاعاً سيداً علماً ... من الفخار وعز الملك سلطانا
ملاحظة (هذه بعض من الأبيات ).
إن هذا النص الذي صاغه "أبو سالم" في فجر الدولة، هو ذاته النهج الذي نلمسه اليوم في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين. حيث يضع الشباب في صلب عملية التحديث مؤمناً بأنهم (فرسان التغيير).
كان الشاعر الحياري حريصاً على الرباط في الأقصى، وهو ذاته الهمّ الهاشمي المستمر عبر الوصاية الهاشمية التاريخية التي يحمل أمانتها الملك عبد الله الثاني اليوم بكل اقتدار.
عبد المجيد السالم الحياري ليست مجرد قصة فردية، بل هي مرآة لمدينة السلط الأبية، التي كانت وما زالت "كعبة العلم" ومنارة الحرية في الأردن. لقد خرجت هذه المدينة العريقة أجيالاً من الشباب الأحرار الذين تسلحوا بالعلم قبل السلاح، وبالكلمة الصادقة قبل الجاه؛ فكانوا ورثة فكر مدرسة السلط التجهيزية، تلك الحاضنة الوطنية التي علمتهم أن الولاء للعرش الهاشمي ينبع من الإخلاص لتراب الوطن والاعتزاز بهويته العربية الأصيلة.
ستبقى السلط، برائحة تاريخها الممتد في أزقتها وحجارة بيوتها الصفراء، المنارة التي لا تنطفئ، ترفد الأردن برجالاتٍ ومثقفين يؤمنون بأن نهضة الوطن تبدأ من بناء الإنسان. وكما كان "أبو سالم" وجيله منارةً في مقتبل القرن الماضي، ستبقى السلط اليوم وغداً مدرسة الأجيال التي لا تخرج إلا الأحرار والمتعلمين، حاملةً مشعل الوفاء لبيت الهاشميين، ومسطرةً بأحرف من نور فصلاً لا ينتهي من فصول المجد الأردني.
وتظل الحسينية اليوم -كما كان رغدان- بيتاً مفتوحاً لكل الأردنيين، يُسمع فيه صوتهم وتُلبى طموحاتهم تحت مظلة العرش الهاشمي الذي لم يغب يوماً عن نبض شعبه.أطال الله بعمر مولانا أبا الحسين وولي عهده.
أمل محي الدين الكردي




