شريط الأخبار
ولد الهدى... الحلقة الثامنة والعشرين .. خبير يقدم مقترحًا جديدًا لاختيار المدراء التنفيذيين في البلديات ترامب: الصينيون يتجسسون ونحن أيضًا كذلك الدكتور صايل الشوبكي رئيس رابطه عشيرة الفارس الشوابكة يشارك في مسيرة إحياءً لذكرى النكبة في وسط البلد ويؤكد: فلسطين ستبقى القضية المركزية والأردن السند الثابت بقيادته الهاشمية الحكيمة. لافروف يستغرب المطالب الأمريكية للصين بالضغط على إيران من نيودلهي.. مصر وروسيا تعززان الشراكة الاستراتيجية وتتفقان على تسريع التعاون النووي الاحتلال الإسرائيلي يعتقل فلسطينية ونجلها من باحات الأقصى ومستوطنون يعتدون على مسنة في بيت لحم النائب عطية: اقتحامات الأقصى عدوانُ سافرٌ على المقدسات واستفزازٌ لمشاعر المسلمين الأردن يدين اقتحام المتطرف إيتمار بن غفير المسجد الأقصى وزير الخارجية الإيراني: لا نثق في الولايات المتحدة ولن نتفاوض إلا إذا كانت جادة مسؤول أمريكي رفيع: بكين ترغب بإعادة فتح مضيق هرمز دون قيود أو رسوم اجتماع أردني في لاتفيا وتوقيع اتفاقية ومذكرة سلطنة عُمان تثمن جهود الأردن لإنجاح مفاوضات الإفراج عن 1600 محتجز يمني الأمير الحسن في الفاتيكان: الاستقرار الحقيقي لا يمكن فصله عن العدالة الاجتماعية ترامب: لن أصبر كثيرًا على إيران الأمن العام و الإنتربول يوقّعان اتفاقية انضمام أكاديمية الشرطة الملكية إلى شبكة أكاديميات الإنتربول العالمية فعاليات تحيي ذكرى النكبة وتؤكد تأييدها للمواقف الأردنية بقيادة الملك رئيس جمهورية لاتفيا يستقبل الصفدي أمين عام وزارة الصحة الشياب يتفقد مدينة الحجاج برعاية ولي العهد .. منتدى تواصل ينطلق في البحر الميت السبت

ولد الهدى... الحلقة الثامنة والعشرين ..

ولد الهدى...  الحلقة الثامنة والعشرين ..
القلعة نيوز -

ولد الهدى...

الحلقة الثامنة والعشرين ..

سلسة من إضاءات في حياة سيد الخلق صل الله عليه وسلم ، تسعى لإضاءة جوانب مختلفة من حياته، تهدف إلى إحداث نقله من الفهم النظري إلى التطبيق العملي، الذي قد يخرجنا ويخرج الأمة من هذا الوضع الذي نعيش فيه.

التوجيه النبوي قسوة من أجل التربية ...

بين القول لأبي ذر أنك أمرؤ فيك جاهلية، وبين لم يبقى أحد من الصحابة ممن كان في الشعب، إلا أصبح له شأن لاحقا...

ونحن ننظر إلى أنفسنا: هل تحركنا المادة أم الفكرة؟ هل أنا إنسان وظيفي أم إنسان إدراكي، يتحرك وفق مجال الإدراك المحيط بالأشياء، وليس لمجرد الأشياء؟ هل نهتم بما لدينا، أم نهتم بما يحدث من اتصال بيننا وبين الحقيقة المرتبطة بالشيء؟ بمعنى: هل تهمك المركبة التي تحقق المطلوب وتوصلك إلى الهدف، أم أنه يجب أن تقول المركبة للناس طبيعة الوضع المالي والاجتماعي؟ هل هي غاية أم وسيلة؟ هل ترهق نفسك بقروض ونفقات لتقول المركبة عنك شيئًا لا تستطيع أن تقوله أنت؟

وهنا، هل ما وصل إليه أشخاص مثل وارن بافت من عدم الاهتمام بالمركبة والمسكن أمر طبيعي، أم أنه وصل إلى مرحلة من التحصين الذاتي؟ وهل نقع ضحية لعلم النفس وتصنيفاته، فنعتبر الإنسان الغني والمسؤول ناجحًا، حتى لو كان هناك خلل في أخلاقه ودينه؟ ولأجل ذلك نفسح له ونعطيه ذلك الاهتمام الذي لا نعطيه لإنسان يملك مبادئ أو أخلاقًا؟

ومن هنا، هل كان التوجيه النبوي القاسي لـأبو ذر الغفاري: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، عندما عيّر بلال بن رباح بأمه، توجيهًا لكل المجتمع بضرورة تجاوز هذه المرحلة، وإلا سيبقى المجتمع عالقًا في مفاهيم لا تصنع مجتمعًا متدينًا أو متحضرًا أو أخلاقيًا؟ وهذه من أسس قيام الحضارة.

وقفت مع عبارة قالها محمد الحسن الددو بأنه لم يبقَ صاحبٌ ممن كان في الشعب مع الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلا وأصبح له شأن لاحقًا. وهنا نعود إلى صناعة الوعي، أو صناعة الإنسان، أو بناء الإنسان، وكيف أن هذه الثلة من الصحابة كانت هي صمام الأمان لهذه الدعوة، وسببًا في حفظ بيضتها وانتشارها.

ويعود إليّ حجر إيليا أبو ماضي، ذلك الحجر الذي أدرك تمامًا دوره في المجتمع، وبعدها سيقوم بما يجب أن يقوم به كما يجب. وكما يقول عبد الوهاب المسيري: «صاحب الفكر هو إنسان طوّر منظومة فكرية تتسم أجزاؤها بقدر من الترابط والاتساق الداخلي». فقد تكون الأفكار متناقضة في الظاهر، ولكنها تخدم هدفًا واحدًا. فهناك فرق بين ناقل الفكر دون الوقوف على حقيقته وماهيته ومآلاته؛ فهنا قد ينقل هذا الغث والسمين، أما الأول فتجد كل ما ينقله متسقًا مع الهدف الذي يسعى إليه. قد يقع في الخطأ، ولكنه يبقى محدودًا. هنا تصبح حياته وأفكاره وما يقوم بكتابته حقيقةً وسعيًا لإيجاد الحلول والخروج من الأزمة.

سعى عبد الوهاب المسيري إلى وضع نموذج تحليلي للعقل الإنساني، لوضع اهتماماته وما يحب وما يكره في ميزان المنطق. فالوعي اجتماعيًا لا يتشكل فقط عبر التعليم، بل عبر البيئة، من البيت إلى الشارع إلى الوظيفة، والخبرة، واللغة، والإعلام، وطبيعة السلطة، وحالة المجتمع نفسه. وهذا ما نجح الرسول صلوات ربي عليه في دار الأرقم ولاحقا في الشعب خلال الحصار، ولهذا فرق بين التربية النبوية التي صنعت أمة، وبنت بعد ذلك حضارة نعيش آثارها إلى اليوم، وقد تعيش أمة تمتلك كمًا هائلًا من المعلومات والأشياء، وتكدّس تكديسًا هائلًا في كل شيء، لكنها تعاني فقرًا في الوعي؛ لأنها فقدت أدوات التحليل والنقد والتمييز بين الحقيقة والتوجيه، وبين المعرفة والدعاية.

أبدع عبد الوهاب المسيري في تفسير ظاهرتي التكديس والتشيؤ؛ إذ رأى أن الإنسان عندما يفقد البعد القيمي والروحي يتحول إلى مجرد أداة داخل المنظومة المادية، ويصبح معيار التقدم قائمًا على الكم لا الكيف، وعلى الاستهلاك لا المعنى. فالتكديس عنده ليس تكديس المال أو الأشياء فقط، بل تكديس المعلومات والأفكار وحتى البشر داخل منظومة تفقد الإنسان خصوصيته وفاعليته، بينما التشيؤ هو اختزال الإنسان إلى شيء يُستخدم ويُستهلك ويُقاس بمنفعته.

ومن زاوية أخرى، انطلق مالك بن نبي إلى تحديد مفهوم الثقافة بوصفها المنظومة التي تُشكّل وعي الإنسان وحركته في التاريخ؛ فلم يكن يرى أزمة المجتمعات في نقص الموارد فقط، بل في أزمة الإنسان نفسه، وفي القابلية لفقدان الفاعلية الحضارية. ولهذا ربط بين الإنسان والتراب والوقت باعتبارها عناصر النهضة، لكنه جعل الإنسان هو المحور؛ لأن تعطّل الوعي يعطل حركة التاريخ.

كان الشرق لا يعاني من هذه الأعراض في الفترات السابقة، في وقت كان الغرب غارقًا فيها، ولكن علماءه ومفكريه التقطوا أفكار ابن خلدون وابن رشد عبر المراصد المتصلة بالثقافة العربية والإسلامية. ولم يتعامل مفكرو الغرب مع أفكار ابن رشد وابن خلدون وغيرهما باعتبارها تراثًا شرقيًا معزولًا، بل باعتبارها أدوات لفهم الإنسان والمجتمع والدولة. وهنا تكمن النقطة المهمة؛ فالنهضة الغربية لم تقم فقط على اكتشاف العلم، بل على إعادة بناء «منهج التفكير» نفسه.

فـابن رشد أعاد الاعتبار للعقل والنقد والبرهان، وواجه فكرة احتكار الحقيقة أو تعطيل العقل باسم السلطة أو التقليد. وعندما تُرجمت شروحه على أرسطو إلى اللاتينية، أثّرت في الجامعات الأوروبية لقرون، وظهر ما عُرف بـ«الرشدية اللاتينية». لم يأخذ الغرب من ابن رشد النتائج فقط، بل أخذ منه الجرأة على مساءلة المسلمات، والفصل بين مجال الإيمان ومجال البحث العقلي، وفتح الباب أمام التفكير النقدي الذي مهّد لاحقًا لعصر النهضة ثم التنوير.

أما ابن خلدون فقد قدّم قراءة مختلفة للمجتمع والدولة؛ إذ لم يفسر صعود الأمم وسقوطها بالخرافة أو المصادفة.

لقد وضع علماء الغرب كل شيء على طاولة الدراسة والتمحيص والبحث، وخضع كل شيء للعلم والمنطق. بعدها، هل يعد ما وصلوا إليه صدفة أم سعيًا حثيثًا لتوظيف كل شيء في سبيل مشروع يساهم في خروجهم من عصور الظلام والتخلف في القرون الوسطى إلى عصر التنوير؟ نعم، هم أخذوا المشروع للنهوض، ولم يأخذوا الأخلاق والقيم التي كان الشرق يتمتع بها؛ ولذلك كانوا وبالًا على الإنسانية، وما شهده العالم على أيديهم لم يكن من الممكن تصوره إلا من أشخاص مثل هولاكو وجنكيز خان.

ما نجح الرسول صل الله عليه وسلم هو صناعة الإنسان الواعي المنضبط في حركته وفكره التي تساهم في خروج ونهضة أمة، وهنا تبقى هذه الضوابط والسنن رهينة مفكرين وعلماء لإعادة الفاعلية التي تساهم في نهضة أمة وانطلاقها؛ وقد تنجح أمم في توظيف السنن لديها وازع أخلاقي لم تشقَ الإنسانية بها، مثل الحضارة الإسلامية والصينية، وأمم أخرى ليس لديها ضابط أخلاقي فشقيت الإنسانية بها.

إبراهيم أبو حويله..