الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
في صباحٍ بدا عاديًا للوهلة الأولى، أيقظني رنينٌ قصير تسلّل من الهاتف كهمسةٍ خفيفة تشقّ صمت المكان. امتدّت يدي تلقائيًا نحو الشاشة، فإذا برسالةٍ تحمل توقيع الوطن قبل حروفها، ورسالةِ قائدٍ يعرف كيف يبلغ القلوب دون استئذان. كانت تهنئةً بعيد الاستقلال، لكنها لم تمرّ في الروح مرور الكلمات العابرة؛ إذ تحوّلت، في لحظةٍ خاطفة، إلى نافذةٍ واسعة انفتح منها الأردن بكل تفاصيله، كأن المسافات انكمشت فجأة، وكأن الغياب فقد شيئًا من قسوته.
ما أعجب الوطن حين يتجلّى في لحظةٍ صغيرة، وما أعمق أثره حين يأتينا على هيئة كلمةٍ مختصرة توقظ في الوجدان مدنًا من الذكريات. هناك، في غرفةٍ بعيدة عن عمّان، لم تكن الرسالة نصًا إلكترونيًا عابرًا، بل كانت وطنًا كاملًا يعبر المسافات ليجلس إلى جوار أبنائه، يطمئن عليهم ويذكّرهم بأن الانتماء ليس إقامةً جغرافية، بل إقامةٌ في القلب لا تغادره مهما ابتعدت الطرق. تسلّل عبق التراب الأردني إلى الذاكرة، ونهضت الجبال شامخةً في المخيلة، وعادت رائحة الشيح والدحنون، وعادت الحارات القديمة بأجراس كنائسها ونداءات مآذنها، وعاد ذلك الشعور العميق بأن للأردني، أينما حلّ، وطنًا يسكنه أكثر مما يسكنه.
هنا تتجاوز رسالة القائد معناها المباشر؛ فلا تعود تهنئةً بروتوكولية تُرسل في مناسبة وطنية، بل تصبح تعبيرًا حيًا عن فلسفة الدولة الأردنية في علاقتها بأبنائها؛ تلك العلاقة التي لم تُبنَ يومًا على مسافةٍ باردة بين القيادة والناس، بل على فكرة الأسرة الوطنية الممتدة، حيث يشعر الأردني أن الوطن يراه، ويسمعه، ويحتفظ له بمكانٍ دائم في الذاكرة الوطنية مهما ابتعدت به الجغرافيا.
غير أن الاستقلال، في جوهره الأعمق، لا يُختزل في لحظة احتفال، ولا يُقاس بمقدار الأعلام التي ترفرف أو الأناشيد التي تُتلى. الاستقلال معنى ثقيل النبض، عظيم المسؤولية، طويل الامتداد. إنه قصة وطنٍ خرج من ضيق الإمكانات إلى رحابة الدولة، ومن قسوة الجغرافيا السياسية إلى صلابة الحضور، ومن هشاشة المحيط الملتهب إلى ثبات الحكمة. وهو، قبل ذلك كله، إرثٌ من التضحيات والعقلانية السياسية التي جعلت من الأردن نموذجًا للدولة التي تعرف كيف تحمي توازنها دون أن تفقد إنسانيتها.
لقد حمل الهاشميون مشروع الدولة الأردنية بوصفه مشروع كرامةٍ إنسانية قبل أن يكون مشروع حكم. فمنذ البدايات، لم يكن بناء المؤسسات ترفًا سياسيًا، بل فعل نجاةٍ وطنية، ولم يكن الاستثمار في الإنسان خيارًا ثانويًا، بل رهانًا استراتيجيًا على بقاء الدولة وصلابتها. وفي ظل القيادة الهاشمية، ترسّخت معادلة دقيقة تجمع بين الثبات والانفتاح، وبين حماية الدولة والسير بها نحو التحديث، وبين صون الهوية ومواكبة العصر. وهي معادلة لا تستقيم إلا حين يدرك الجميع أن الدولة لا تُبنى بقرارٍ من أعلى فحسب، بل بإرادةٍ عامة تتجسد في كل مؤسسة وبيت ومدرسة وجامعة ومصنع وحقل.
لكن الولاء، في معناه الأصدق، لا يكتمل بالهتاف وحده، ولا تثبت صدقيته كثافة العاطفة وحدها. الولاء الحقيقي أن يتحول حب الوطن إلى فعلٍ يوميٍّ نقي؛ أن يرى الموظف في نزاهته صورةً من صور الانتماء، والمعلم في إخلاصه امتدادًا لرسالة الدولة، والطبيب في أمانته قسمًا وطنيًا قبل أن يكون قسمًا مهنيًا، والطالب في اجتهاده مساهمةً صامتة في كتابة مستقبل البلاد. فالأوطان لا تنهض بالشعور وحده، بل تنهض حين يتحول الشعور إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى إتقان، والإتقان إلى ثقافة عامة.
ولأن الاستقلال ليس حدثًا ماضيًا بل فعلًا مستمرًا، فإن أخطر ما يهدده ليس ضيق الموارد وحده، بل فقر الإرادة، واعتياد التبرير، وتآكل الإحساس بالمسؤولية. الأمم لا تتراجع فجأة؛ إنها تتآكل ببطء حين يصبح الأداء العادي فضيلة، والتقصير عادة، واللامبالاة موقفًا. لذلك فإن أصدق احتفال بالاستقلال ليس أن نُكثر من الحديث عنه، بل أن نحسن تمثيله في تفاصيل حياتنا الصغيرة؛ في احترام الوقت، وإتقان العمل، وصيانة المال العام، والرحمة بالناس، والعدل في القرار، والإيمان بأن النجاح الشخصي لا ينفصل عن رفعة الوطن.
إن الأردن الذي صمد في وجه التحولات الكبرى لم يفعل ذلك بمعجزةٍ سياسية عابرة، بل لأن فيه روحًا جمعية تؤمن أن الدولة بيتٌ كبير لا يجوز أن يُترك للتصدع. وما أحوجنا اليوم إلى أن نستعيد هذا المعنى ونحن نعبر زمنًا يموج بالتحولات والتحديات. فالمستقبل لا يُهدى للأمم، بل تصنعه الشعوب التي تحوّل حبها لأوطانها إلى معرفة، وعاطفتها إلى إنتاج، وأحلامها إلى خطط، وولاءها إلى منجزات.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتأمله في معنى الاستقلال أنه لا يطلب من أبنائه المستحيل، بل يطلب الصدق؛ صدق الانتماء، وصدق العمل، وصدق النية. أن يؤدي كلٌّ منا دوره بإحسان، وأن يدرك أن الوطن ليس شيئًا منفصلًا عنا، بل هو محصلة ما نفعله أو نهمله كل يوم.
ويبقى الأردن، على امتداد المعنى والزمان، أكثر من حدودٍ تُرسم على الخريطة؛ إنه فكرة كرامة، وسيرة وفاء، وذاكرة شعب، ووعد أجيال. وسيظل الاستقلال حيًا ما بقيت فينا القدرة على أن نحوّل محبتنا لهذا الحمى إلى عملٍ يليق به، وأن نفهم أن أعظم أشكال الوطنية ليست في أن نقول إننا نحب الأردن، بل في أن نجعل الأردن، كل يوم، أكثر استحقاقًا للفخر، وأقدر على العبور نحو الغد.




