نسرين الطويل
لفترةٍ طويلة، وخلال سنوات عملي مع الأطفال من مختلف الأعمار، كنت أحرص على تنمية مهارة أصبحت اليوم من أكثر المهارات المهددة بالانقراض: القدرة على الجلوس، والتركيز، وإكمال ما بدأه الإنسان.
لم يكن هدفي أن يُنهي الطفل نشاطًا أو واجبًا فحسب، بل أن أدرّب عقله على الصبر، وأن أعلّمه أن الإنجاز يحتاج إلى وقت، وأن التركيز مهارة تُبنى ولا تُولد مع الإنسان.
كنت أضع أهدافًا بسيطة تناسب كل مرحلة عمرية. فالطفل في الثالثة من عمره كنت أحرص أن يبقى جالسًا ليستمع إلى قصة أو يشارك في نشاط لمدة ثلاث دقائق على الأقل، وفي الرابعة خمس دقائق، ثم تزداد المدة تدريجيًا مع نموه.
قد تبدو دقائق قليلة، لكنها كانت استثمارًا حقيقيًا في بناء الانتباه، وضبط النفس، والقدرة على التعلّم.
فالطفل عندما يتعلّم أن يجلس بهدوء، يزداد وعيه بما يدور حوله، ويصبح أكثر قدرة على الملاحظة والتفكير والاستيعاب. وعندما يُكمل ما بدأه، مهما كان بسيطًا، تنمو ثقته بنفسه، ويترسخ داخله شعور جميل يقول: "أنا أستطيع.”
ومع تكرار ذلك، لا يعود إكمال المهام مجرد سلوك مؤقت، بل يتحول إلى عادة حياة ترافقه في دراسته، وعمله، وعلاقاته، وكل ما يسعى إلى تحقيقه.
فالإنسان الذي يتعلم منذ الصغر أن يصبر على فكرة، سيتعلم لاحقًا أن يصبر على حلم، وعلى هدف، وعلى طريق النجاح.
أما اليوم، فنعيش في عصر السرعة. لم يعد الأطفال وحدهم من يعانون من ضعف التركيز، بل حتى الكبار. أصبح من الصعب على كثيرين الجلوس لقراءة صفحتين، بل أحيانًا حتى سطرين، دون أن ينتقلوا إلى شيء آخر.
ولا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم فوائدها الكثيرة، ساهمت في ترسيخ هذا النمط. فقد اعتاد العقل على المقاطع القصيرة، والانتقال السريع بين الأفكار، والحصول على المعلومة في ثوانٍ.
ومع مرور الوقت، أصبحت فترات الانتباه أقصر، وأصبح الصبر على القراءة، أو الاستماع، أو التفكير العميق، أكثر صعوبة.
حين يصبح الانتقال من فكرة إلى أخرى أسهل من فهم فكرة واحدة بعمق، فنحن لا نفقد الوقت فقط… بل نفقد جزءًا من قدرتنا على التفكير.
هذه واحدة من سلبيات الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، خاصة عندما تصبح المصدر الرئيسي للمحتوى الذي نستهلكه.
والأخطر أن هذا الواقع بدأ يُعامل وكأنه طبيعي، بل وأصبح المقياس الذي يُطلب من الجميع التكيّف معه، بدل أن نتساءل: إلى أين يقودنا؟
لا تخشوا على أطفالكم من كتاب طويل، اخشوا عليهم من عقل لم يعد يحتمل فكرة تحتاج إلى صبر.
والأكثر غرابة أنني أصبحت أتلقى نصائح من أشخاص مثقفين، يُفترض أنهم أول من يشجع على القراءة، يطلبون مني أن أختصر كتاباتي أكثر، لأن الناس لم تعد تقرأ.
لكن هل الحل أن نختصر الفكر ليتناسب مع ضعف التركيز؟ أم أن واجبنا أن نساعد الناس على استعادة قدرتهم على القراءة، والتأمل، والصبر على الفكرة؟
العقل الذي لا يحتمل صفحة، كيف سيحتمل بناء فكرة؟ وكيف سيحتمل حل مشكلة؟ وكيف سيصنع مستقبلًا؟
هدفي من كتابة هذا الكلام ليس الدفاع عن النصوص الطويلة، بل لفت انتباه الآباء، والمعلمين، وكل قارئ، إلى أن القدرة على التركيز ليست موهبة، بل مهارة تُدرَّب منذ الطفولة.
فإذا استسلمنا لثقافة السرعة، وتوقفنا عن تدريب أطفالنا على الجلوس، والاستماع، والقراءة، وإكمال ما يبدأونه، فإننا لا نفقد عادة القراءة فقط، بل نفقد معها الصبر، وعمق التفكير، والمثابرة، والقدرة على الإنجاز.
أنا لا أكتب لأنافس مقاطع العشر ثوانٍ، ولا لأجاري إيقاعًا يسلب الإنسان واحدة من أهم قدراته العقلية.
فالإنسان لا يُبنى بما يمر عليه بسرعة، بل بما يمنحه وقتًا كافيًا ليفهمه، ويشعر به، ويتغير من خلاله.
أكتب لأنني ما زلت أؤمن أن هناك من يريد أن يقرأ، وأن القراءة ليست مجرد عادة، بل تدريب للعقل، وتربية للنفس، وبناء للشخصية.
المأساة ليست أن يقلّ عدد القرّاء… المأساة أن يأتي جيل لا يشعر أصلًا أنه خسر شيئًا.
والأشياء التي لا نحافظ عليها… تذبل، ثم تختفي.
فهل سنُربي أبناءنا على الصبر والتركيز، أم سنُربيهم – من حيث لا نشعر – على الهروب من كل فكرة تحتاج إلى وقت، ومن كل حلم يحتاج إلى صبر؟




