الدكتور نسيم أبوخضير
في كلِّ دولةٍ راسخةٍ بمؤسساتها ، تبقى الدولة أكبر من الأشخاص ، وأبقى من المناصب ، وأسمى من الألقاب . فالوزير يرحل ، والمسؤول يتغير ، والمدير يغادر موقعه ، لكن الوطن يبقى ، وتبقى مؤسساته شاهدةً على مسيرة البناء والعطاء .
ومن هنا ، يبرز تساؤلٌ مشروع : لماذا تُزيَّن بعض المباني الحكومية ، أو المؤسسات العامة ، أو حتى المساجد ، بلوحات تحمل أسماء مسؤولين أو وزراء ، بينما هذه المشاريع لم تُبنَ من أموالهم الخاصة ، وإنما أُنشئت من المال العام الذي هو ملكٌ للشعب والدولة ؟
إن المباني الحكومية ليست إنجازاً شخصياً لأحد ، وإنما هي ثمرة رؤية الدولة ، وجهود مؤسساتها ، وتمويل خزينتها ، التي تعمل جميعها تحت راية القيادة الهاشمية .
ولذلك ، فإن الأجدر والأقرب إلى روح الدولة ومبدأ استمرارية المؤسسات ، أن تُنسب هذه الإنجازات إلى عهد جلالة الملك ، بوصفه رأس الدولة ورمز وحدتها ، لا إلى الأشخاص الذين يتولون المسؤولية لفترة زمنية محدودة .
فبدلاً من أن يُكتب : " إفتُتح هذا المبنى على يد معالي الوزير فلان الفلاني" ، أو "شُيِّد هذا المشروع في عهد الوزير الفلاني" ، أقترح أن تكون الصيغة أكثر رسوخاً وحيادية ، مثل :
" شُيِّد هذا المبنى في عهد حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم ، بتاريخ ...".
أو :
" إفتُتحت هذه المؤسسة في عهد حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم ، بتاريخ ...".
فهذه الصيغة تُكرِّس مفهوم الدولة ، وتُجسِّد إحترام المؤسسة ، وتُبعد الإنجاز عن الشخصنة ، لأن الإنجاز في النهاية هو إنجاز الوطن ، وليس إنجاز فرد ، مهما كان موقعه .
وينطبق ذلك أيضاً على المساجد التي تُبنى من أموال الدولة أو التبرعات العامة ، فهي بيوت الله ، ولا ينبغي أن تتحول لوحاتها إلى مساحة لإبراز أسماء المسؤولين ، بل إلى توثيقٍ تأريخي يربطها بعهد الدولة وقيادتها ، بعيداً عن المظاهر الشخصية .
إن ترسيخ ثقافة المؤسسة يبدأ من التفاصيل الصغيرة ، ولوحةٌ تُعلَّق على جدار قد تحمل رسالةً أعمق من الكلمات ، فهي إما أن تُعزز مفهوم الدولة الدائمة ، أو تُرسِّخ ثقافة ربط الإنجازات بالأفراد .
الأردن ، بقيادته الهاشمية ، بُني على إستمرارية المؤسسات ، لا على إستمرارية الأشخاص . وكلما إبتعدنا عن الشخصنة ، وإقتربنا من ترسيخ مفهوم الدولة ، حافظنا على هيبة مؤسساتنا ، وصُنّا تأريخها ، وتركنا للأجيال القادمة رسالةً واضحة ، مفادها أن الأوطان هي التي تصنع الإنجازات ، أما الأشخاص فهم يؤدون واجبهم ثم يمضون ، ويبقى الوطن شامخاً ، وتبقى رايته خفاقة ، ويبقى اسم جلالة الملك ، بصفته رأس الدولة ورمز وحدتها ، العنوان الأصدق لكل إنجازٍ وطني .




