ياسمين الخلايلة
ثمّة أوطانٌ تسكنُ الزمانَ، ولا يسكنُها، تمرُّ عليها السّنون والعقودُ والقرونُ، فلا تزيدُها الأيامُ، إلّا نضارةً، وعزّةً، وبهاءً، ولا تزيدُها السنونُ، إلّا فتوّةً، وعنفواناً وكبرياءً، وفي طليعةِ هذه الأوطانِ الشامخةِ السّامقة؛ يبرزُ الأردنُّ، كأيقونةٍ حيّةٍ تُثبتُ للعالمِ أجمع، أنَّ "الأردنَّ لا يشيخ ولا ينحني".
إنَّ عدمَ الشّيخوخةِ هنا، ليس مجرّدَ مجازٍ شعريٍّ، أو بلاغةٍ عابرةٍ، بل هو حقيقةٌ سيميائيةٌ، وثقافيةٌ، تتجلى في تفاصيلِ هذا الوطن، وفي فضاءته، فالأردنُّ، بجغرافيتهِ الضّاربةِ في عمقِ الحضاراتِ، وبتاريخهِ الممتدِّ كجذورِ السّنديانِ، يعيدُ إنتاجَ ذاتهِ، مع كلِّ شروقِ شمسٍ جديدة.
ومع هذا التّجدّد، فإننا ندرك بيقينٍ واَعٍ، أنَّ حبَّ الأوطانِ، لا يرتبطُ باِكتمالِها، فالكمالُ محضُ وهمٍ، لا وجودَ له في عالمِ الأوطانِ، ولا في عالمِ الإنسان، وإنْ اِدَّعى المدَّعونَ غيرَ ذلك، إنَّ عظمةَ الانتماءِ الحقيقيّ، تتجلى في قَبولِ هذا التكوينِ، والفضاء الإنسانيِّ، والحيويِّ للوطن والأرض؛ فحبُّنا له، يولدُ من رَحمِ عتمةِ ليلهِ، ومن برودةِ شمسهِ الخجولةِ، الّتي ــ على الرَّغمِ من برد، بل وصقيعِ الظّروفِ ــ تُدفّئُ القلوبَ، وتَسكنُ الأرواحَ، وتقرّ الأعين وتهدّئ النّفوس، نحن لا نحبُّ الوطنَ؛ لأنّه كاملٌ كمال المدينة الفاضلة، بل نحبُّهُ؛ لأنّه يدثرنا بظلهِ في المنعطفاتِ كلِّها، ويمدّ لنا يده بالعقبات على اختلافها، رغم طريقه المزروع شوكًا، والمحفوف بالمتاعب والعثرات.
حين نأملُ في ملامحِ هذا الحمى العربيّ الأصيل، نجدُ أصالةَ الماضي وعبقه، تلتقي برؤى المستقبلِ وطموحه، في تناغمٍ فريدٍ؛ فلا العراقةُ تنكفئُ على ذاتِها، ولا الحداثةُ تتنكرُ لجذورِها.
إنّها المعادلةُ الأردنيةُ الفريدة، النّادرة، الفذةُ، الّتي تجعلُ من التّطوّرِ، والنموِّ، والاستمراريّة، ديدنًا يوميًّا، قويًّا وحماسيًّا لا رتيبًا، ومن الصّمودِ، في وجهِ التّحدياتِ والعقبات، عقيدةً راسخةً، لا تلين ولا تنكسر.
"الأردنُّ لا يشيخ".. لأنَّ في حنجرةِ كلِّ مبدعٍ، وفي صوت كلِ محبٍّ، ينطقُ باسمهِ، لحناً لا يموت، وصوتًا لا يقسو، وفي فكرِ كلِّ باحثٍ، وأكاديميٍّ، يقرأُ تفاصِيلَهُ، شغفاً، وحبًّا، وانتماءً يتجددُ، وفي عينِ كلِّ إعلاميٍّ، يحملُ رسالتَهُ، أملًا يلوحُ في الأفقِ، هو وطنٌ محكومٌ بالأملِ والحبّ والتّسامح، ومسيّجٌ بالوعيِ والفكر، ومزدانٌ بوعودِ الغدِ المشرق الوضّاء.
ستظلّ هذه الأرضُ الكريمة العزيزة، كما كانتْ دومًا، واحةً للعطاءِ والكرم، ومنارةً للمجدِ والعزّ، وروحًا نابضةً بالحياةِ الشّابةِ الفتيّةِ، الّتي لا تعرفُ الوهنَ، أو الضّعف، أو الانطفاء.
لهذه الأرض، ولهذا الوطن، في يوبيل استقلاله الثّمانين، نقول: كلّ عامٍ وهذه الأرضُ الأردنيّةُ العربيّة، الأصيلة، العزيزة، المنيعة، أصلبُ عودًا، والشّعبُ الأبيُّ العظيم، أكثرُ تلاحمًا وتصالبًا، والقيادةُ الهاشميّةُ الحكيمةُ، صمامَ أمانٍ، ورفعةٍ، لغدٍ أجمل، وأبهى.




